... وكل متصرف في شيء عن غيره فهو مطالب بتحري المصلحة ، وصيانة الحقوق ، ولا يكون تصرفه تشهيًا محضًا غير مبنى على مقتضى الأصلح في التدبير ؛ قال تعالى: { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (الأنعام: من الآية152) . فحجر الله تعالى على الأوصياء التصرف فيما هو ليس بأحسن مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم بالنسبة لولايات أخرى [1] .
... وعن معقل بن يسار -رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسترعية الله رعية فلم يحطها بنصحة ؛ لم يجد رائحة الجنة) [2]
... وهذه النصوص وما شابهها من الأدلة الآمرة بأداء الأمانات مثل قوله تعالى { إنَّ اللهَ يأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } ( النساء: 58) تقتضى أن يكون كل ذي ولاية معزولًا عن التصرف المتضمن للمفسدة الراجحة ، والمصلحة المرجوحة ، والمساوية ، ومالا مفسدة فيه ولا مصلحة ؛ لأن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن [3] .
... ولذا قرر أهل العلم قاعدة ترسم حدود التصرفات النافذة لكل متولٍ على غيره ، فقالوا: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) [4] . وعبر عنها السبكي بلفظ مناسب لمقامنا إذ قال:"كل متصرف عن الغير ، فعليه أن يتصرف بالمصلحة" [5] .
... قال العز بن عبد السلام:"يتصرف الولاة ونوابهم بما هو أصلح للمولى عليه درءًا للضرر والفساد ، وجلبًا للنفع والرشاد ، ولا يتخيرون في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم مثل أن يبيعوا درهمًا بدرهم ، أو مكيلة زبيب بمثلها" [6] .
(1) انظر: الفروق للقرافي (4/41) الفرق الثالث والعشرون والمائتان .
(2) صحيح البخاري . 7150 ؛ صحيح مسلم 142 .
(3) الفروق (4/41) .
(4) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 134 ؛ وابن نجيم ص 124 ؛ شرح المجلة (م58) .
(5) الأشباه والنظائر (1/310) .
(6) قواعد الأحكام (2/158) .