الصفحة 21 من 36

ومما يلحق بهذا النوع: الإكراه على إفساد صوم رمضان, وهو مقيم، أو ترك الصلاة المفروضة، أو الجنابة على الإحرام، أو إتلاف مال المسلم [1] .

فإذا أكره على أي فعل مما سبق، كان له أن يترخص بما أكره عليه؛ لأن حقه في نفسه يفوت أصلًا، وحق صاحب الشرع يفوت إلى خلف، فإن صبر, ولم يفعل ما أمر به، حتى قتل كان مأجورًا؛ لأنه متمسك بالعزيمة؛ لأن حق الله ـ تعالى ـ، وهو الصوم، والصلاة لم يسقط عنه بالإكراه، وفيما فعله إظهار الصلابة في الدين.

ومثل إفساد حقوق الله ـ تعالى ـ: إتلاف أموال الناس، فإنه يرخص فيه الإكراه؛ لأن حرمة النفس فوق حرمة المال، فاستقام أن يجعل المال وقاية للنفس؛ لأن المال مبتذل في نفسه، والحرمة لحق الغير، ولها يباح بإباحته, ولكن أخذ مال الغير, وإتلافه ظلم، وعصمة صاحب المال في المال قائمة؛ إذ عصمته لأجل صاحب المال باقية حالة الإكراه؛ لأنها تثبت للحاجة، وحاجته إليه باقية في هذه الحالة، فيكون إتلافه وإن رخص فيها باقيًا على الحرمة، فإن صبر حتى قتل كان شهيدًا؛ لأنه بذلك نفسه لدفع الظلم، كما إذا امتنع عن ترك الفرائض من العبادات حتى قتل، إلا أنه لما لم يكن في معنى العبادات من كل وجه، بناء على أن الامتناع عن الترك فيها من باب إعزاز الدين، قيدوا الحكم بالاستثناء، فقالوا: كان شهيدًا عن الله ـ تعالى ـ [2] .

يقول البخاري في «كشف الأسرار» : وألحق محمد -رحمه الله- الاستثناء بهذا الجواب، فقال: كان مأجورًا إن شاء الله، قال شمس الأئمة -رحمه الله-: إنما قيد بالاستثناء؛ لأنه لم يجد فيه نصًّا بعينه.

وإنما قاله بالقياس على الإيمان والصلاة، والصوم، وليس هذا في معناها من كل وجه؛ لأن الامتناع من الأخذ هاهنا لا يرجع إلى إعزاز الدين، فلهذا استثناه [3] .

وضمان المال على المكرِه، أي: الحامل؛ لأن المال معصوم حقًّا لصاحبه, فلا يسقط بحال، والفعل ينسب إلى نفس الحامل، ويجعل الفاعل آلة؛ حيث إنه يعتبر آلة فيما يصلح آلة له، والإتلاف من هذا القبيل، بأن يلقيه عليه فيتلفه [4] .

ضابط أثر الإكراه:

ذكر البابرتي في «كتابه شرح العناية على الهداية» ضابطًا لأثر الإكراه، فقال: الإكراه الملجئ، وهو الذي يخاف فيه تلف النفس، أو عضو من الأعضاء، وغير الملجئ, وهو الإكراه بالحبس، والضرب اليسير، والتقييد، والأول معتبر شرعًا، سواء أكان على القول أم الفعل، والثاني: إن كان على فعل يسير, فليس بمعتبر، ويجعل كأن المكرَه فعل ذلك الفعل بغير إكراه، وإن كان على قول، فإن كان قولًا يستوي فيه الجد, والهزل, فكذلك، وإلا فهو معتبر [5] .

أثر الإكراه على التصرفات الفعلية عند غير الحنفية:

(1) «فواتح الرحموت وشرحه» : جـ1, ص: 168، و «درر الحكام» : جـ2, ص: 271، و «شرح المنار» لابن ملك: ص: 997، و «أصول السرخسي» : جـ1, ص: 119، و «تيسير التحرير» : جـ2, ص: 314.

(2) «التلويح» : جـ2, ص: 201، 202، و «شرح المنار» : ص: 997، و «أصول البزدوي, وكشف الأسرار عليه» : جـ3, ص:1519، 1520، و «حاشية نسمات الأسحار» : ص: 187، و «تيسير التحرير» : جـ2, ص: 315.

(3) «كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي» : جـ3, ص: 152.

(4) «التلويح» : جـ2, ص:202، و «درر الحكام» : جـ2, ص:271، و «تيسير التحرير» : جـ2, ص: 312، و «فتح الغفار بشرح المنار» : جـ3, ص: 122، 123، و «حاشية ابن عابدين» : جـ6, ص: 135، و «الهداية» : جـ3, ص: 278.

(5) «شرح العناية على الهداية» : جـ9, ص: 238، 239 ط مصطفى الحلبي سنة 1389هـ/ 1970م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت