الصفحة 32 من 36

الخاتمة

معنى نظم [1] «إكراه» في القرآن الكريم:

قد ورد التعبير بنظم «إكراه» في القرآن الكريم في موضعين:

الموضع الأول: في قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) جزء من الآية رقم: 256 من سورة البقرة.

والموضع الآخر: في قوله تعالى: (وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) جزء من الآية رقم 33 من سورة النور.

ومعنى الآية الأولى: إن أمر الإيمان ما بني على الإجبار, والإلجاء, والقسر، وإنما بني على التمكن والاختيار، فالدنيا دار ابتلاء، وفي القهر, والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان. ومعنى الآية الثانية: أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ نهي عن الإكراه على الزنا؛ حيث قال في أول الآية: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ) , فإن أكرهت الفتاة على الزنا، فإن الله غفور رحيم، حيث أزال الإثم والعقوبة، فالإكراه عذر للمكرهة [2] .

ومع أن نظم «إكراه» لم يرد في القرآن الكريم في غير هذين الموضوعين، إلا أن مادة «كره» وردت كثيرًا في القرآن الكريم، فقد وردت بصيغ متعددة، «بالفعل الماضي، والفعل المضارع، والمصدر، واسم الفاعل» , ومن ذلك:

1 -قوله تعالى: (لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ) [3] .

2 -قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [4] .

3 -قوله تعالى: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [5] .

(1) المراد بـ «النظم» هنا: «اللفظ» ، وقد عدل بالتعبير بـ «اللفظ» إلى «النظم» ؛ لأن «اللفظ» لغة: «الرمي» ، ففي الأصل إسقاط شيء من الفم، وفي إطلاق اللفظ على القرآن نوع سوء أدب، فلهذا اخترنا «النظم» بدل «اللفظ» ؛ لأن «النظم» حقيقة: جمع اللآلئ في السلك بحسن الترتيب، وفيه تشبيه القرآن بأنفس الجواهر.

«التوضيح لصدر الشريعة» : جـ1, ص:30، و «كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي» : جـ1, ص: 23، و «شرح المنار» لابن ملك ص: 43، 44.

فإن قيل: كما أن اللفظ يطلق على الرمي، فكذا النظم يطلق على الشعر، ففي كل منهما سوء أدب، فينبغي الاحتراز عن كل منهما.

أجيب بأن الإطلاق النظم على الشعر بالنظر إلى الأصل بل بالنظر إلى العارض، فإن حقيقته جمع اللآلئ في السلك، ثم استعمل في الشعر مجازًا؛ لافتقاره إلى حسن ترتيب؛ لتحصيل الوزن بخلاف اللفظ، فإن حقيقته في الرمي ابتداء، فكان استعمال النظم أولى رعاية للأدب، وإشارة إلى تشبيه كلمات القرآن بالدرر ففيه استعارة لطيفة.

«التلويح» للتفتازاني: جـ1, ص: 30، و «حاشية الرهاوي» : ص: 43.

فإن قيل: المشبه به لابد أن يكون أعلى مرتبة من المشبه في وجه الشبه حتى يصح التشبيه، ولا يمكن القول بهذا في هذا المقام, فالأولى في تعليل العدول عن اللفظ إلى النظم رعاية الأدب فقط. «حاشية الرهاوي» : ص: 43، 44.

أجيب: بأن الله شبه نوره بالمشكاة في قوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ... ) مع أن نور الله أعظم؛ لأن ضرب المثل يكون بدني محسوس معهود لا بعلي غير معاين, ولا مشهود, فأبو تمام لما قال في المأمون:

إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس

قيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم، فقال مرتجلا:

لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس

(2) «مفاتيح الغيب» : جـ3, ص:550، وجـ11, ص: 553.

(3) الأنفال الآية: 8.

(4) يونس الآية: 99.

(5) آل عمران الآية: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت