"وقد صنَّف أحمد في الزهد كتابًا حافلًا عظيمًا، لم يُسبق إلى مثله، ولم يَلْحقه أحدٌ فيه. والمظنون بل المقطوع به أنّه إنّما كان يأخذ بما أمكنه منه رحمه الله".
فقه الإمام أحمد:
الحديث عن فقه الإمام أحمد وتضلّعه في هذا الباب يطول، ومن المعلوم أنَّ مذهب الإمام أحمد في الفقه أحد المذاهب المعتبرة، ويعتبر رابع المذاهب المشهورة.
وقد أقام الإمام أحمد بن حنبل مذهبه الفقهي على خمسة أصول كما بينها ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهي:
الأول: النصوص: فإذا وجد النّص أفتى بموجبه ولم يتلفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنًا من كان.
الثاني: ما أفتى به الصحابة: فإنَّه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعرف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها.
الثالث: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنَّة، ولم يخرج من أقوال الصحابة. فإن لم يتبيَّن له موافقة أحد الأقوال، حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس.
وقد بيّن الإمام ابن القيم المراد بالحديث الضعيف الذي يأخذ به الإمام أحمد، حينما قال رحمه الله تعالى:
"وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به. بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، بل إلى: صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماع على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس. أ هـ".
الخامس: إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول صحابة، أو أحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس وهو: القياس، فاستعمله للضرورة .