وكان الإمام أحمد بن حنبل يرفض التزلف تحت أعتاب السلطان، ويرفض عطايا الولاة بنفسٍ أبيةٍ عزيزة، فقد قال إسحاق بن موسى الأنصاريّ: (( دفع إليّ المأمون مالًا فقال: اقسمه على أصحاب الحديث فإنَّ فيهم ضعفًا. فما بقي أحد إلا أخذ، إلا أحمد بن حنبل فإنَّه أبى ) ).
بل كان رحمه الله يغضب على أولاده حينما يقبلون جوائز الأمراء، فقد ذكر أحمد بن محمّد التُّستري: (( أنَّ أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثةُ أيام ما طَعم فيها، فبعث إلى صديق له، فاقترض منه دقيقًا، فجهزوه بسرعة، فقال: كيف ذا؟! قالوا: تنور صالح مُسْجَر فخبزنا فيه، فقال: ارفعوا، وأمر بسدِّ بابٍ بينه وبين صالح ) ).
قال الحافظ الذهبي: لكونه أخذ جائزة المتوكل.
قلت: والأمثلة على رد الإمام أحمد جوائز الخلفاء كثيرة، وذلك لأنَّه آثر الباقية على الفانية، فقد قال صالح بن أحمد: (( قلت لأبي: إنّ أحمد الدورقيّ أُعطي ألف دينار، فقال: يا بني"وَرِزْقُ ربِّك خير وأَبْقى"(سورة طه: آية 131) .
رحم الله الإمام أحمد فقد حفظ العلم، وحفظ كرامة العلماء، فلم يجعل العلم عبثًا.
رحم الله الإمام أحمد فقد قال:
"إذا ذكر الموت هان عليّ كل شيء من أمر الدنيا، وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، ما أَعْدِل بالفقر شيئًا".
ثم إن الإمام أحمد كان يرفض عطايا شيوخه، حتى لو كان محتاجًا لها، فقد روى عبدالله بن أحمد قال: حدّثني أبي قال: (( عرض عليّ يزيد بن هارون خمسمائة درهم أو أكثر أو أقل، فلم أقبل منه. وأعطى يحيى بن معين، وأبا مسلم المستمليّ فأخذا منه ) ).
قال إسحاق بن راهُويه:
"كنت أنا وأحمد باليمن عند عبدالرزاق، وكنت أنا فوق الغرفة وهو أسفل، وكنتُ إذا جئت إلى موضع اشتريت جارية، قال: فاطلعت على أنّ نفقته فنيت، فعرضت عليه فقلت: إن شئت قرضًا، وإن شئت صلة، فأبى. فنظرت فإذا هو ينسج التكك ويبيع وينفق".