فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات، قال تعالى:"وَتَوَاصَواْ بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ" (سورة العصر آية 3) . وقوله تعالى:"وَاذْكُر عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ" (سورة ص آية 45) .
والحديث عن زهد الإمام أحمد رحمه الله باب يطول، نقتصر على القليل منه: قال صالح بن أحمد:
"ربما رأيت أبي يأخذ الكِسَر، يَنْفُض الغبار عنها، ويُصيِّرها في قصعة، ويصُب عليها ماء، ثم يأكلها بالملح، وما رأيته اشترى رُمّانًا ولا سفرْجلًا، ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز وعنبًا وتمرًا".
قلت: وهذا من شدة خوفه من الله سبحانه وتعالى، فقد قال المروذي:
"كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العَبْرةُ، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب".
وقال صالح بن أحمد:
"قال لي أبي: كانت والدتك في الظلام تَغْزل غزلًا دقيقًا، فتبيع الأستار بدرهمين أقل أو أكثر، فكان ذلك قوتنا. وكنا إذا أشترينا الشيء نستره عنه كيلا يراه فيُوبخنا، وكان ربما خُبز له، فيجعل في فخارة عدسًا وشحمًا وتمرات لهريز ، فيجيء الصبيان فيصوِّت ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون ولا يأكلون. وكان يأتدم بالخل كثيرًا".
وأما عن بيته فيصفه لنا الميمونيّ بقوله:
"كان منزل أبي عبدالله ضيِّقًا صغيرًا، وينام في الحر في أسفله".
لذلك لمّا أدخل أحمد بن عيسى المصريّ ومعه قوم من المحدّثين على أبي عبدالله أحمد بن حنبل بالعسكر، فقال له أحمد بن عيسى: (( يا أبا عبدالله، ما هذا الغمُّ؟ الإسلام حنيفيَّة سمحة، وبيت واسع!! فنظر إليهم وكان مضطجعًا، فلما خرجوا، قال أبو عبدالله: (( ما أُريد أن يدخل عليَّ هؤلاء! ) ).
قلت: لما قرأت هذا الخبر تذكرت قول المصطفى (r) في صفة الطائفة المنصورة:"لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم..".