فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 166

لا خلاف في أن الأمتين العربية والإسلامية تعيشان أزمة حضارية تتجسد في ما تعانيانه من تخلف ثقافي ومادي وسياسي. فهما في أغلب الأحوال تابعتان للغرب، تدوران في فلك ثقافته وتقنيته وسياسته. ولاشك في أنه من المستحيل استعراض ذلك كله في دراسة كهذه، كما أنه من المستحيل أيضًا النظر في كل الأسباب التي أدت إلى ذلك الوضع. على أن أهم هذه الأسباب، في اعتقادي، ولعله السبب المحور الذي تدور حوله وتنطلق منه كل الأسباب الأخرى، هو هُويَّة الفرد. إن من لا يعرف من هو لا يعرف ماذا يريد في هذا العالم، وتسهل السيطرة عليه وتوجيهه فلا إرادة له، إذ إن الإرادة ترتبط بالوعي، فلا إرادة لمن لا يعي من هو. ولما كان الوعي يرتبط بالمعرفة فقد اقتضى أن السبب الأساسي في أزمة العربي المعاصر إنما هو معرفي. وإذا كانت المعرفة تعني مجموع الخبرات التي اكتسبها الفرد في حياته فإن ذلك يعني أيضًا أن المعرفة ترتبط بالتاريخ الشخصي للفرد، وبالتاريخ العام المشترك للأمة، إذا كان البحث يدور في مستوى الجماعة. ولما كان الفرد جزءًا من الجماعة، والأمة إنما تتشكل في مجموعها من عدد الأفراد، فقد اقتضى أن يكون تاريخ الفرد جزءًا من تاريخ الأمة، كما اقتضى أن تكون المعرفة الفردية المرتبطة بتاريخ الفرد جزءًا من الثقافة الجماعية المرتبطة بتاريخ الأمة. من هنا فإننا نستنتج أن البحث في طبيعة المعرفة، أسّ الوعي الفردي، إنما يقود بالضرورة إلى البحث في طبيعة الثقافة العامة أسّ الوعي الجماعي لدى الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت