فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 166

والعبودية تعني الإخلاص لله ونفي السِّوَى، فلا طاعة إلا لله، ولا عبودية إلا له، وهذا يعني تحرر الإنسان من عبودية ما عدا الله من متاع الدنيا، كالمال والجاه والسلطة والتفاخر بالأولاد والعصبية، إلى ما هنالك من عوارض تستعبد الإنسان، فيخضع لها، ويصوغ حياته كلها من خلال تحكمها فيه، فينسى وجوده الأول ووظيفته في هذا الوجود، فيضل عن الطريق، ولا يصبح إنسانًا على الحقيقة. وبقدر ما هو عبد لله فهو خليفته، لأنه بقدر تحرره من عوارض الدنيا يعود إنسانًا إلهيًا، فيه تظهر النفخة الأولى والعلم الإلهي، فيصبح خليفة الله على الحقيقة، يرى بنور الله، ويسمع به، ويمشي فيه، ويبطش به، فعلمه من علم الله وإرادته من إرادته جلّ وعلا.

والعبودية بهذا المعنى هي عين الحرية، أما الحرية بالمفهوم السائد بين الناس اليوم من أن الإنسان يستجيب لأهوائه ونزواته فهي عين العبودية التي تتنافى مع قول"لا إله إلاّ الله"، فلا معبود إلا هو، ولا سلطة إلا له، ولا مآل إلا إليه، ولا قوة إلا به، ولا علم إلا منه سبحانه وتعالى.

ما تقدم يقتضي أن نطرح سؤالًا جوهريًا هو: لماذا العبودية ولم الاستخلاف؟ إن هذا السؤال المنطقي يقودنا إلى أصل الخلق وعلاقة الخَلْق بالحَقِّ، فالعبادة أو العبودية ليست لذاتها وإنما لغيرها، فالله عزَّ وجل مُنَزَّه عن الحاجة إلى عبادة الناس له. وإنما العبادة تهدف إلى مساعدة الإنسان في تحقيق جوهره الأول الذي خلق به وإعادته إلى صورته الأولى التي صدر عنها، وبذلك يتحقق وجوده على الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت