فهرس الكتاب
إن وظيفة الموجود في الوجود تحدد طبيعةَ تكوينه وهيئةَ وجوده. تلك هي الفلسفة الغائية التي نعتقد بصحتها المنطقية وجدواها الإنسانية. وهي فلسفة معيارية تحتكم إلى ثوابت في معالجة المتغيرات، وليست فلسفة وضعية عبثية تنطلق من توصيف ما هو كائن لإقراره في تغيره الدائم الذي لا أساس يعتمد عليه في هذا التغيير، ولا منطق إلا منطق الأهواء المادية والنزعات الفردية المرتبطة بنظام السوق.
إن كل موجود له وظيفة في وجوده، ولا وجود عبثي في الكون بحسب القرآن الكريم، فالله عز وجل يقول:"وما خلقنا السمواتِ والأرضَ وما بينَهما لاعبين" [1] ، ويحث الرسول عليه الصلاة والسلام الإنسان على اغتنام خمس قبل خمس حرصًا منه على الوقت والصحة والشباب، فلا يضيعها الإنسان في ما لا فائدة فيه.
ولما كان قد تقرر أن كل موجود إنما وجد ليؤدي وظيفته، فقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يخلق كل موجود على صورة تناسب وظيفته، وتمكنه من القيام بها، وإن لم يكن ذلك فهذا يعني بهتانًا وظلمًا بحق الموجود أن يُطالَب بما لا يقدر عليه، ولم يُخلَق له.
والإنسان واحد الموجودات، وُجد لوظيفة محددة، وخُلق على صورة تمكنه من أداء هذه الوظيفة. ولا شك في أن وظيفته تلك تحدد طبيعته ومفهومه.
ويحدد الله تعالى وظيفة الإنسان الأولى في الأرض في قوله عزّ وجل:"وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون" [2] ، وفي قوله تعالى:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة" [3] ، فالعبادة وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض هما وظيفة الإنسان التي خُلِق من أجلها، وقد صِيْغَ الوجود بأكمله لينسجم مع الإنسان في وظيفته هذه، وليساعده في تحقيقها.
وعلاقة العبادة بالاستخلاف علاقة وثيقة وجدلية، بمعنى أنّ الإنسانَ عبد لله على الحقيقة بقدر تحقيقه معنى الاستخلاف على الحقيقة، كما أن تحقيق هذا المعنى مرتبط بمدى عبودية الإنسان لله عز وجل.
(1) الدخان/ 38.
(2) الذاريات/ 56.
(3) البقرة/ 30.