فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 166

فالحضارة الإغريقية على سبيل المثال كانت تغلّب مفهوم الإنسان، فهي بذلك ترى مفهومي الإله والكون من خلال ذلك المفهوم، فقد أَنْسَنَ الفكرُ الإغريقي الآلهةَ والطبيعةَ، فجعل الآلهة على شكل الإنسان خَلْقًَا وخُلُقًا، كما أنه عزا للطبيعة قوى الإنسان وطبيعته، وسعى لاسترضائها. والحضارة الأوروبية اليوم تُغلِّب مفهوم الكون، وترى مفهوم الإله والإنسان من خلال القوانين الطبيعية السائدة في الكون، وتعد الإنسان نِتاج هذه القوانين، وهو خاضع لها، أما الإله فلم يكن إلا نِتاجًا فرضته الطبيعة على الإنسان عندما هيمنت عليه بقواها فخلقَ الإله ليلجأ إليه من غضبها. أما الحضارة العربية الإسلامية فهي تُغلِّب مفهوم الله، وترى من خلاله الإنسان والكون، وما هذان المفهومان إلا نتيجة للتصور الديني عنهما، فهما من مخلوقات الله، خُلِقا ليعبدا الله، وليكونا مجلى له، وقيمة وجودهما مستمدة من الوجود الإلهي.

إن أي محاولة لفهم حضارة ما من خلال دراسة نتاجها الثقافي والعلمي لا تعتمد على إدراك هذه المفاهيم وطبيعة العلاقة بينها، وغلبة أحدها على الآخَريْن في تلك الحضارة، سوف تكون قاصرة، وستؤدي بالضرورة إلى نتائج خاطئة. وسوف نرى فيما يأتي أن مفهوم الإنسان في الحضارة العربية الإسلامية تابع ونتيجة منطقية لمفهوم الله، فهو يرتبط معه بعلاقة وجودية. ولعل هذه الحقيقة هي ما يجب أن يرسخ في أذهان الباحثين في تراث الأمة العربية والإسلامية اليوم سواء أكان هؤلاء الباحثين من أبنائها أم غرباء عليها، وذلك إذا ما أراد هؤلاء فعلًا الإنصافَ في نتائجهم والموضوعيةَ في أحكامهم.

4-العرض

4-1-العقيدة الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت