فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 166

ثمة مشكلة تعترض الباحث في هذا المجال هي قضية المصطلحات، ففي القرآن والسنة ترد مصطلحات قد لا تتفق مع دلالاتها في الفكر العربي الإسلامي، فهو في هذا الفكر نِتاج بشري دخلت فيه مفاهيم الناس الفلسفية أو الصوفية. وعلى أي حال فإن المجال هنا لا يتسع لطرح هذه المشكلة واقتراح حلول لها. ولذلك فإننا سنعمد إلى توحيد المصطلحات المستخدمة في كل من الإطارين بشكل مستقل.

3 ـ تمهيد

تتأسس الحضارات وتنهض على ثلاثة مفاهيم مشتركة فيما بينها، لابد منها في كل حضارة من الحضارات الإنسانية: الإله والكون والإنسان. وتستمد كل حضارة هُوِيَّتَها الذاتية وسماتَها الخاصة التي تميزها من غيرها من الحضارات، من تغليب أحد هذه المفاهيم على الباقي منها. فالحضارة التي تُغلِّب مفهومَ الإله هي حضارة دينية، يسود فيها الفكر الغيبي، والتي تُغلِّب مفهوم الكون هي حضارة مادية، يسود فيها الفكر الطبيعي، أما التي تُغلِّب مفهوم الإنسان، فهي حضارة بشرية يسود فيها الفكر الإنساني. إلا أنه من الضروري التنبيه على أن الحضارات لا توجد في الواقع بحسب هذا التقسيم الحاد، وإنما نرى من خلال مراقبة الحضارات الإنسانية أن هذه المفاهيم يختلط بعضها ببعض بنسب متفاوتة، إلا أن الغلبة النسبية دائمًا هي للمفهوم السائد الذي يسم الحضارة بسمته.

وعندما تُغلِّب حضارةٌ ما أحدَ هذه المفاهيم فإنها ترى المفهومين الباقيين من خلال المفهوم الغالب، فمفهوم الإله عندما يسود في حضارة من الحضارات فإن الكون والإنسان يُفَسران في تلك الحضارة من خلال الفكر الديني الغيبي، وعندما يسود مفهوم الإنسان فإن الحضارة تفسر مفهومي الإله والكون من خلال الفكر البشري.

ويمكننا أن نذكر أمثلة من التاريخ البشري على هذه المفاهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت