فهرس الكتاب
ولكن الله عز وجل لم يتخل عن الإنسان، فأرسل إليه الأنبياء والرسل المزودين بالمعجزات والكتب السماوية حرصًا منه على عودته إليه، وتذكيرًا له بجوهره وبوظيفته التي خلق من أجلها. فالله عز وجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام:"فَذّكِّر إنما أنت مذكر" [1] ، ويقول أيضًا مبشرًا عباده بالمغفرة والتوبة:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمةِ الله إِنَّ الله يغفرُ الذنوبَ جميعًا" [2] ، والأحاديث التي تتكلم على محبة الله لعباده وحنانه عليهم ورحمته بهم وغفرانه لهم كثيرة. وقد زُوِّد الإنسان بما يُمكّنه من معرفة الحق والصواب، فوُهب العقل إلى جانب الشريعة، يدلانه على طريق الحقيقة إن نسيَها، أو ابتعدَ عنها: زوده الله بالشريعة تحدد له الطريقَ، حتى إذا لم يسعفه عقله ضَمِنَت له الوصولَ إلى الخلق الأولِ وتحقيق الوظيفة الأولى، وزانه بالعقل يضفي به على الشريعة جوهرًا، ويتجاوزها بالاتصال بالواحد الأحد عن طريق امتلاك المعرفة التي تساعده على تحقيق جوهره وإخراجه من حيِّز الوجود بالقوة إلى حيِّز الوجود بالفعل، ولذلك كانت الآياتُ والأحاديثُ الدَّالة على فضل العلم والتعلم كثيرة:"إنما يخشى الله من عباده العلماءُ" [3] ، ويقول عليه السلام:"فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم" [4] ، ويقول:"مجلسُ علم ينتفعُ به خيرٌ من عبادةِ سبعين عامًا".
(1) الغاشية/ 21.
(2) الزمر/ 53.
(3) فاطر/ 28.
(4) صحيح البخاري، باب التواضع، حديث رقم 6021، وسنن الترمذي، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم 2609.