فهرس الكتاب
يتفق ممثلو الفكر العربي الإسلامي على ثنائية الوجود الإنساني في وحدته: العَرَض والجوهر، وإن كانوا قد اختلفوا في تحديد المقصود بالجوهر أهو الروح أم النفس أم العقل أم القلب. وهذا الخلاف هو نتيجة لاختلاف آخر في طبيعة هذه المفاهيم وعلاقتها بالله عز وجل من حيث الصفات، وعلاقتها بالوجود من حيث القِدَم والحدوث، وهي مسألة الكلام عليها صعب في هذا المجال، فقد تكلّم الفلاسفة على النفس وأنواعها النباتية والحيوانية والناطقة والإنسانية والقدسية، كما تكلّم الفقهاء على النفس وأنواعها الأمارة واللوامة والمطمئنة [1] ، وتكلّم المتصوفةُ على القلب، وتحرّجوا جميعًا في حديثهم من الكلام على الروح التي كانت ترتبط في أذهانهم بالمعرفة الإلهية التي ذكرها الله عز وجل في قوله:"ويسألونك عن الرّوحِ قُلْ الروحُ من أمرِ ربّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" [2] ، فكيف يسوغون لأنفسهم الكلام في أمر أمسك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهو معدنُ العلم وينبوعُ الحكمة. وقد كان الاختلاف بين من تكلم في ماهية الروح بارزًا كل البروز، يقول الغزالي في كتاب شرح عجائب القلب من إحياء علوم الدين متحدثًا عن النفس والروح والقلب والعقل:"ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة" [3] .
(1) انظر في هذه المفاهيم التعريفات للجرجاني في مواضعها.
(2) الإسراء/ 85.
(3) الغزالي، إحياء علوم الدين، 3/4. وانظر أيضًا ما يقوله الغزالي في معارج القدس في مدارح معرفة النفس، ص15، وما يكتبه السهروردي في عوارف المعارف، في باب معرفة الإنسان، ص287.