فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 166

لقد حقق القديسُ أوغسطين توفيقًا بين الثقافة الملحدة والتراثين المسيحي واليهودي، وبذلك أعطى الإنسانَ قيمةً إلهية، إلا أن الفكر المسيحيّ لم يستطع أن يتخلص نهائيًا من آثار تلك الثقافة، فظلت العلاقةُ بين الإنسان والإله فيه تمر عبر إنسان آخر هو المسيحُ أو ممثلوه من رجال الكهنوت الذين كانوا يبيعون صكوك الغفران في العصور الوسطى. وقد استطاع الفكرُ العربي الإسلامي ردم هذه الهوة بين الإنسان والله. فلا واسطة بين الطرفين. والله هو مقياس كل شيء، وهو المحرك الأولٌ والمبدعُ الأول للحقائق والقيم الأبدية، وثمة توافقٌ بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية باعتبار أن الإنسان مخلوقٌ على الصورة، ولكنّ هذه الإرادة لا تملك إمكانية أن تخلق لنفسها حريتها الخاصة بها والمفاهيم والقيمَ التي تريدها، وعندما تخرج هذه الإرادة عن الإرادة الإلهيةِ فستقعُ في الخطأ والضلال. فالفكرُ العربيُ الإسلاميُ يوحّد بذلك بين الإرادة الإنسانية والإرادة الإلهية، ويُقرّ بأن حرية الإنسان من خلال هذا المنطق تعني عبوديته المطلقة لله التي بقدر تحقيقها يكونُ الإنسانُ حرًا على الحقيقة، ذلك لأن الحريةَ الحقة هي التحررُ من عبوديةِ الجسدِ والمادةِ والمالِ والسلطةِ. وبذلك يحققُ الإنسانُ مفهومَ استخلافهِ في الأرض على الحقيقة، فيصبح إنسانًا إلهيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت