فهرس الكتاب
والإنسان عند هؤلاء مخلوقٌ إلهي، وهو خليفةُ الله في الأرض، وهو مقدس بالنفخة الإلهية، مكرّم عن باقي المخلوقات بالعقل، وهو مدعو إلى استخدام عقله لامتلاك المعرفة الفردية لتحقيق معنى استخلافه في الأرض على الحقيقة. وهذه كلها مفاهيم نجد أصولها في القرآن الكريم إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء لم يتأثروا بثقافات الأمم الأخرى ولا سيما الثقافة الإغريقية. فعلى سبيل المثال نجد أن فلسفة ابن سينا استفادت من مفاهيم إغريقية، فنظرية العقول العشرة التي يعرضها ابن سينا في توضيح نظرية المعرفة عنده هي نظرية إغريقية، أخذت شكلها النهائي عند الفارابي قبل أن يتبناها ابن سينا في نظامه الفلسفي، ولا ننسى أن أباه وأخاه كانا من الإسماعيلية التي استفادت كثيرًا من ثقافات الأمم الأخرى في توضيح مفاهيمها الدينية. ولذلك فإن نظرية المعرفة التي يتأسس عليها مفهوم الإنسان لديه إنما تمثل المظهر المعرفي لنظرية العقول العشرة التي تؤسس وجود الكون في الوقت نفسه الذي تحدد فيه موقع الإنسان فيه. ويستخدم ابن سينا مفردات ومصطلحات تعود إلى الفلسفة الإغريقية ولكن دلالاتها لديه تختلف عنها في الفكر الإغريقي فالميتافيزياء عند ابن سينا هي ميتافيزياء الجواهر، والجوهر أو الماهية غير مشروط فهو حيادي، والوجود الحادث/ الممكن وجد بفضل وجود واجب قديم ولكن الوجود الحادث يصبح وجودًا واجبًا لأنه وجد بفضل الوجود الواجب الواحد الأحد الذي لا يصدر عنه إلا واحد على الرغم من مظاهر التعدد.