فهرس الكتاب
لقد توافق ظهور أزمة المثقف وعلاقة سلطته بالسلطة السياسية في البلاد العربية مع ظهور أزمة أخرى أكثر خطورة وأعمق أثرًا في مستقبل هذه البلاد، هي أزمة الهُوّية التي تمثلت، إثر تفكك الدولة العثمانية آخر دولة إسلامية بالمعنى التاريخي، بعدة قضايا إشكالية ما تزال الدول العربية تعاني منها إلى اليوم، وفي مقدمة هذه القضايا"تحديد طبيعة الكيانات السياسية التي سوف يسفر عنها زوال السلطنة، ومكانة اللغة وقدراتها، ووضع التراث والعلاقة التي تربط بين اللغة والتراث العربيين وهذه الكيانات، والعلاقة بين الهُوّية المحلية القطرية، والهُوّية العربية الإسلامية الشاملة" [1] . ونعتقد أن هذه الأزمات إنما هي نتيجة لمحاولة السلطات السياسية في الوطن العربي، بعد زوال السلطنة العثمانية خلق مرجعيات جديدة لوجودها السياسي، ورغبتها في البحث عن شرعية لوجودها هذا من خلال تلك المرجعيات، وهو ما شكل في حينه، وما يزال كذلك، خروجًا على العلاقة الجدلية بين النظام الكوني والنظام الإنساني، اللذين ما زالا يحكمان المجتمعات العربية الإسلامية منذ ظهور الإسلام إلى اليوم. وقد أدى هذا الخروج إلى تعميق الشرخ في كيان المجتمع العربي الإسلامي في البلاد العربية منذ عصر النهضة، وهو شرخ كان قد بدأ مع معاوية عندما جعل الحكم وراثيًا، خارجًا بذلك على إجماع الأمة في مفهوم الخلافة أو الإمامة [2] ،
(1) غليون. د. برهان، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993 ص/ 58.
(2) انظر: الصديق، حسين، المدخل إلى تاريخ الفكر العربي الإسلامي، مطبوعات جامعة حلب، 1992، ص/ 41، 42، 43، 44..