فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 166

ولكنه ظل مع ذلك يحكم داخل العلاقة بين النظامين الكوني والإنساني في الحضارة العربية الإسلامية، وظل الفقهاء والمفكرون والأدباء نتيجة لذلك، يحتفظون بمكانتهم في تفسير النظامين وإبراز العلاقة بينهما في إطار السلطة السياسية، وهذا ما يؤكده حرص جميع الخلفاء والسلاطين في التاريخ العربي الإسلامي على استرضاء هؤلاء، أو استقطاب بعضهم ترغيبًا أو ترهيبًا، لأن أحدًا من هؤلاء الخلفاء والسلاطين ما كان يجرؤ على نزع العلاقة بين النظامين، وخلق نظام جديد لا علاقة له بهما. على حين أن معظم الحكومات العربية التي ظهرت إثر الاستقلال لم تكتف بفعل ذلك، وإنما أقدمت، إثر اصطدامها بمعارضة الأمة، على السعي إلى تغيير النظام الكوني من خلال فرض المذاهب العلمانية المستمدة من الثقافة الغربية وأنظمتها السياسية والاقتصادية من جهة، ومن خلال العمل على تهميش ذلك النظام القائم، وتشويهه واتهامه بمختلف التهم، والإساءة إلى ممثليه لزعزعة هيمنتهم على تفسير العلاقة بينه وبين النظام الإنساني في المجتمعات العربية، ومن ثم عزلهم عن الأمة التي كانت ترى فيهم مرجعًا لها في الأزمات، بصفتهم يشكلون صلة الوصل بين النظام الكوني في الأمة والنظام الإنساني فيها. وبذلك كانت تلك الحكومات تخلق شرخًا عميقًا وانفصامًا كبيرًا في ذات الأمة، أديا إلى جمودها وتخلفها عن الأمم الأخرى التي لم تكن تبتعد عنها كثيرًا في سلم التطور في بداية القرن العشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت