فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 166

ولكنّ الأوضاع لم تبق مستقرة على هذه الشاكلة، فمع ظهور الأنظمة السياسية التي دعت نفسها بالتقدمية، في مقابل كل ما عداها من الرجعية، في بعض أقطار الوطن العربي، بل وفي أهم هذه الأقطار من حيث الموقع والكثافة السكانية والتقدم الحضاري، بدأ الأمر يتجه إلى خلخلة خطيرة في العلاقة بين النظامين الكوني والإنساني في المجتمعات العربية في هذه الأقطار، وهو ما تجسد في الواقع في ما عبر عنه برهان غليون في عنوان كتابه ( الدولة ضد الأمة ) ، وهي عبارة بالغة الدقة في توصيف ذلك الواقع، فقد خرجت السلطة السياسية في ظل تلك الأنظمة على وظيفتها الأساسية في المجتمع الإنساني من حماية المجتمع ضد نقاط ضعفه، والحفاظ على قوانينه الداخلية، والعمل على تطويره في إطار تلك القوانين، وأصبحت قوة باطشة تفرض نظامًا كونيًا غريبًا على المجتمع، وتعمل بالقوة، من خلال مؤسسات كثيرة أوجدتها، على زعزعة النظام الكوني السائد فيه وعزله عنه وإجباره على الرضوخ للنظام الكوني الجديد الذي فرضته عليه. وهو ما ولد قطيعة كبيرة بين السلطة والمجتمع، وعداءً مستحكمًا بينهما قائمًا على عدم الثقة المتبادل والخوف. وقد أدى كل هذا إلى تشبث كل من الطرفين بموقفه خلال ما تبقى من القرن العشرين، وهذا ما انعكس، على أرض الواقع، في جمود الأمة وتخلفها عن الأمم الأخرى التي ما كانت تفصلها عنها مسافات كبيرة في بداية هذا القرن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت