فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 166

لقد كانت السلطة الثقافية، ممثلة النظام الكوني في الدولة الوطنية بعد الاستقلال، ما تزال فعّالة، وتشكل مرجعًا بالنسبة إلى النظام الإنساني في المجتمع، على الرغم من تغير مفهوم السلطة السياسية ومرجعيتها الحاكمة التي أصبحت لا تعتمد على ذلك النظام السائد في المجتمع، وإنما على أنظمة غربية ذات أصول تنتمي إلى نظام كوني مختلف. فالأمر في الواقع لم يختلف جذريًا فيما يتعلق بأثر السلطة الثقافية، ممثلة النظام الكوني في المجتمع، في مرحلة ما بعد الاستقلال، على الرغم من وجود فئة مثقفة تحمل ثقافة ذات مرجعية غربية، تنتمي إلى نظام كوني آخر، ترافق ظهوره في المجتمعات العربية ونموه مع النهضة العربية، وظهور مفهوم الدولة الحديثة. وبذلك أصبح في المجتمع العربي في ظل الدولة الحديثة نوعان من السلطة الثقافية لكل منهما مرجعيته الخاصة: الأول غربي يتفق مع السلطة السياسية في بنيتها وهيكلها وأسسها النظرية، فهو مثلها مستورد، ينتمي إلى نظام كوني آخر لا علاقة له بالمجتمع العربي، وهو يدافع عنها ويمثلها، ويشكل مرجعية لها في وجودها وفي تفسير علاقاتها بالنظام الإنساني في هذا المجتمع، ولذلك فهو مرتبط بها، وهي تنصره، وتدعمه، وتفتح أمامه سبل القوة والفعل من خلال وسائل الإعلام التي تسيطر عليها والمؤسسات العلمية والثقافية أو التعليمية التي أنشأتها ورعتها، والثاني أصيل يتعارض معها، ويرى فيها جسدًا غريبًا عنه، لا يمكنه التعامل معه بسهولة، إلا أنه لم يدخل معها في صراع لأن هيمنته على المجتمع وأثره فيه لم يكونا مهددين مباشرة، وإن كان يرى في النوع الأول منافسًا قويًا له، لا يمكن مقاومته، فيسعى إلى الحصول على ما يمكنه الحصول عليه من السلطة في محاولة للتصالح معها، وتشكيل ما يشبه الرقيب عليها، مدركًا أنه لا يستطيع تغيير المؤسسات القائمة التي قد تتعارض في طبيعة عملها ومنطلقاتها، مع تصوره الكوني لطبيعة النظام الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت