فهرس الكتاب
وقد عانى هذا الواقع انتكاسة أخرى في الستينات، زادت من عمق الهوة التي تفصل بين السلطة السياسية والنظامين الكوني والإنساني في المجتمعات العربية. وقد تجسد هذا بشكل خاص في عدد من الدول العربية التي ظهرت فيها، في وقت واحد تقريبًا، أنظمة انبثقت عن أحزاب سمّت نفسها بالتقدمية، متبنية فكرًا سياسيًا يتفق في علاقته بالمجتمع ونظمه مع الفكر السياسي في الأنظمة السابقة ويختلف عنها بأنه كان يقوم على مفهوم الحزب الواحد والحكم الفردي الذي ينفي الآخر نفيًا تامًا."وكما عجزت الفلسفة القومية عن حل التناقضات الكامنة في أصل انفصال الدولة عن الأمة، وإعادة الربط بينهما، سواء أكان ذلك على مستوى الدولة القطرية أو في المستوى العربي العام، فإن الفكرة التقدمية قد أخفقت في تحرير الإرادة الجماعية أو القوى الكامنة من أجل تحقيق المصالحة بين الأمة والتاريخ العالمي. وبدل أن تفتح آفاقًا جديدة ومتجددة للمجتمع عمقت فيه الشروخ والمخانق، ودفعت الأطراف السياسية جميعًا إلى معركة شاملة كان من نتيجتها تحييد بعضها بعضًا: الدول والأجهزة والطبقات والأحزاب والعقائد السياسية والمجتمعات ذاتها. فلم تخفق المؤسسات، التي قامت على تحويل الولاء الجماعي إلى ولاء وطني، أي إلى ولاء وانتماء للدولة، في تقديم الإطار التنظيمي الملائم لتفجير وتنمية الموارد البشرية والمادية العربية فقط، وإنما تحولت هذه المؤسسات ذاتها إلى عائق رئيسي أمام التعبئة العقلانية لها" [1] .
(1) غليون، برهان، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ص / 245.