فهرس الكتاب
وفي أثناء حكم تلك الأنظمة، الذي امتد على طول النصف الثاني من القرن العشرين ولا يزال قائمًا إلى اليوم، أصاب شرخ إضافي جديد السلطة الثقافية ممثلة النظام الكوني في المجتمع العربي. إذ بعد تراجع ممثلي هذا النظام من المكانة الأولى إلى المكانة الثانية، في ظل الأنظمة الليبرالية في مقابل ممثلي نظام كوني جديد جاءت به تلك الأنظمة ورعته، بدأت تلك السلطة الثقافية تتعرض لممارسات مضادة من الأنظمة التقدمية، التي رأت في هؤلاء منافسًا لها وعائقًا يتعارض مع وجودها القائم على مفاهيم سياسية واقتصادية وفكرية تنتمي إلى نظام كوني جديد يقوم على مفهوم الحكم المطلق ولا يوافقها في اعتقادها بضرورة الثورة على القيم والنظم الاجتماعية السائدة لتطوير المجتمع والنهوض به. وبذلك استبدلت المرجعية التي كان على المجتمع أن يحتكم إليها في علاقته بالسلطة السياسية ومؤسساتها الجديدة التي وضعت في أشكال متعددة لتتدخل في كل جوانب الحياة الاجتماعية. وقد أدى هذا الواقع الجديد إلى صراع مباشر بين الأنظمة التقدمية من جهة وممثلي النظام الكوني في المجتمع والنظام الإنساني فيه من جهة أخرى، وذلك بالطبع بعدما أزيلت آثار النظام الكوني الذي كانت تفرضه من قَبْل الأنظمة"الليبرالية".