فهرس الكتاب
ولكن النفس في الإنسان جوهر موجود بالقوة، ولا يتحقق وجوده بالفعل إلا بمعونة العقل أداة المعرفة التي هي الشرط الأول في التمييز بين الجميل والقبيح. وسعي الإنسان إلى هذه المعرفة التي لا بد منها في نقل جوهره من القوة إلى الفعل هو هدفه، لأنه سبيل إدراكه الكمال. فسعي الإنسان إلى معرفة النفس بعد معرفة الكون ليست معرفة لذاتها وإنما ترمي إلى معرفة الواحد الأحد الذي وُجِد بفضل نوره كل شيء. وهذا السعي في الفكر العربي الإسلامي هو مرتبة من مراتب السعادة، والوصول إلى الكمال هو عين السعادة التي يصفها الفارابي بقوله:"هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامه إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائمًا أبدًا" [1] . وعلى هذا فالسعادة هي"الخير المطلوب لذاته، وليس يطلب أصلًا ولا في وقت من الأوقات بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منها" [2] .
وينبه الفارابي على أن بحث الإنسان عن السعادة ليس وهمًا مثاليًا، ففي الإنسان قدرة بها"يفعل الأفعال الجميلة، وبعينها يفعل الأفعال القبيحة" [3] . فهي قدرة على الفعل أيًا كان، والإنسان بذلك مختار، وهو صانع أفعاله، إلا أن عليه أن يُدرَّبَ على فعل الجميل.
(1) الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تح/ إبراهيم جزّيني، بيروت، دون تاريخ، ص / 84.
(2) المصدر السابق، ص / 85.
(3) المصدر السابق، ص/ 185.