فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 166

والتدريب على فعل الجميل هو صلة الوصل بين السعادة هدف الفلسفة وبين السياسة ومفهوم المدينة الفاضلة عند الفارابي. فهو يبيّن في آراء أهل المدينة الفاضلة أنّ الإنسان محتاج في سعيه إلى الكمال، وفي طلبه السعادة، إلى أمور كثيرة لا يمكنه القيام بها وحده، ولذلك فقد كان لا بد له من الاجتماع، ولا يمكن للإنسان أن ينال الكمال"الذي لأجله جعلت له الفطرة الطبيعية إلا باجتماع جماعات كثيرة متعاونين، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال" [1] . وكلما اتسع الاجتماع كان أقدر على خدمة الإنسان في بلوغ الكمال،"فالخير الأفضل والكمال الأقصى إنما يُنال أولًا بالمدينة لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها" [2] .

إلا أنه قد يحدث أن يتعاون أهل المدينة على الشر، لأنّ القدرة على فعل الخير أو الشر كامنة بالاختيار والإرادة في الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فقد أمكن أن تُجعل المدينة للتعاون على بلوغ بعض الغايات التي هي شرور، ولذلك كل مدينة يمكن أن يُنال بها السعادة كما يُنال بها الشقاء. والمدينة"التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة" [3] .

ووجود المدينة الفاضلة رهن بوجود رئيس فاضل، فالمدينة الفاضلة أشبه بالبدن التام الصحيح، والتعاون بين أعضاء المجتمع الواحد في سبيل تحقيق المدينة الفاضلة شبيه بالبدن التام الذي تتعاون أعضاؤه على تتميم حياة الحي وحفظها عليه."وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى، وفيها عضو رئيس هو القلب . . وكذلك المدينة أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات، وفيها إنسان هو رئيس" [4] .

(1) الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص / 95.

(2) المصدر السابق، ص/ 96.

(3) المصدر السابق، ص/ 96.

(4) المصدر السابق، ص/ 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت