وذلك حتى تنتفي تُهمَةُ عدمِ أدائِه الزكاة الواجبة في أمواله [1] ، فإنَّ الناس إذا لم يروا صاحبَ المال يؤدي الزكاة أمام مرأى أعينهم تسارعتْ إليهم الظنونُ والاتهاماتُ له.
وكونُ الإنفاقِ علانيةً قد يحقِّقُ مصلحةً للمُنفِقِ لا يناقض القولَ بأفضلية الإنفاق سرًا لمصلحة كرامة الفقير، لأنَّه لا يُشترَطُ إعطاءُ الفقيرِ مباشرةً في يده بل يمكن توصيلُ ذلك عن طريق الوسائط من جهاتٍ مسئولةٍ وجمعياتٍ خيريةٍ، وكذلك ليس كلُّ إنفاقٍ يختص بالفقراء والمحتاجين فقط، بل هناك وجوهٌ أخرى لا يُراعَى فيها الجوانب النفسية والمشاعر الإنسانية كالإنفاق على مصرف (في سبيل الله) ، وكسائر أبواب الخير والبر، فهنا يمكن للمُنفِقِ أنْ يُعلِنَ عن إنفاقِه ويتحدَّث به بين الناس من غير حَرَجٍ، بشرط أن يُراعِي مسألةَ الرِّياء فيما بينه وبين ربه بحيث يُخْلِصُ عملَه لله تعالى.
ولكن في حال ابتداء الفقير السؤال أمام الناس فهنا لا معنى لمراعاة كرامته لأنَّه هو الذي كشف ستره، فهنا لا بأس للمُنفِقِ أنْ يعطيه أمام الناس.
وبذلك يُحقِّقُ الإنفاقُ أهدافَه الاقتصادية والاجتماعية على السواء، من غير فَصْلٍ بين الجانب الاجتماعي والجانب الاقتصادي، فكلُّ واحدٍ مرتبطٌ بالآخر.
وهكذا يُمثِّل الإنفاقُ سرًا وعلانيةً مَظْهَرًا من مظاهر التوازن في الاقتصاد الإسلامي، فالإنفاق سرًا له وجوهه الاقتصادية وآثاره الاجتماعية، وكذلك الإنفاق علانيةً، كلٌ بحَسَبِه وما يتناسب معه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(1) انظر: الرازي: تفسير الرازي المُسمَّى بـ مفاتيح الغيب، (7/ 61) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.