فهرس الكتاب
ولكن الصبر الجميل ليس مجرد كلمة ترددها الألسنة مع ضيق الصدر وتململ القلب كلا، إنما الصبر الجميل:
"هو الصبر المطمئن الذى لا يصاحب السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد صبر الواثق من العاقبة الراضى بقدر الله، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء، الموصول بالله المحتسب كل شئ عنده مما يقع به الصبر جميل: هو الترفع على الألم والاستعلاء على الشكوى والثبات على تكاليف الدعوة والتسليم لله عز وجل والاستسلام لما يريد من الأمور والقبول لحكمه والرضى به الصبر الجميل: هو الذى يكون ابتغاء وجه الله جل وعلا لا تحرجًا من الناس حتى لا يقولوا جزعوا ولا تجملًا للناس حتى يقولوا صبروا الصبر الجميل هو الثبات على طول الطريق دون عجلة أو قنوط ولنقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق ألا وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى يلاقى ما يلاقى من الأذى والتكذيب والكبر والكنود يقُال له: {فاصبر إنَّ وعد الله حق فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون} : أدَّ واجبك وفقط فأما النتائج فليست لك حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق وعيد الله للمتكبرين والمكذبين ليس له أن يعلق به قلبه إنه يعمل وكفى يؤدِّى واجبه ويمضى فالأمر ليس أمره والقضية ليست قضيته - بأبى هو وأمى - ولكن الأمر كله لله والله يفعل به ما يريد ولمثل هذه اللفتة العميقة ينبغى أن تتوجه قلوب الدعاة إلى الله في كل حين فهذا هو حزام النجاة في خضم الرغائب التى تبدو بريئة في أول الأمر ثم يخوض فيها الشيطان بعد ذلك ويعوم نعم فإنه من السهل جِّدًا على صاحب الدعوة أن يغضب لأن الناس لا يستجيبون لدعوته فيهجر الناس إنه عمل مريح قد يفتأ الغضب ويهدئ الأعصاب ولكن أين هذه الدعوة؟ إن الدعوة هى الأصل لا شخص الداعية فليضق صدره ولكن ليكظم غيظه وليمض في دعوته والله أرعى لدعوته وأحفظ فليؤدِّ الداعية واجبه في كل ظرف وفى كل جو والبقية على الله تعالى والهدى هدى الله عز وجل وإن في قصة ذى النون - عليه السلام - لدرسًا لأصحاب الدعوات ينبغى أن يتأمَلوه وأن في رجعة ذى النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغى أن يتدبروها والقرآن الكريم لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة، ولا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلًا لا للنظر المجرد"