الصفحة 165 من 180

وفى قصة يونس عليه السلام الذى لم يصبر على تكاليف الرسالة في لحظة من اللحظات فضاق صدرًا بالقوم وألقى عبء الدعوة وذهب مغاضبًا ضيق الصدر حرج النفس فأوقعه الله في الضيق الذى تهون إلى جانبه مضايقات المكذبين، ولولا أنه ثاب إلى ربه واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه فما فرَّج الله عنه هذا الضيق

يقول عزَّ من قائل: {وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظنَّ أنه لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين} [1]

فمن مسه الضر في فتنة من الفتن وفى ابتلاء من الابتلاءات فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه وقدرته على كشف الضراء وعلى العوض والجزاء فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء وليذهب بنفسه كل مذهب فما شئ من ذلك بمبدل ما به من البلاء: {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} والذى ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة وكل نسمة رخية وكل رجاء في الفرج ويستبد به الضيق ويثقل على صدره الكرب فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء إلا أنه لا سبيل في احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ومضاعفة الشعور به والعجز عن دفعه بغير عون الله

وأخيرًا فإنَّ الذين احتملوا في الطريق إلى الله ما احتملوا فلم ينكصوا ولم يأسوا الذين صبروا على فتنة الناس وعلى فتنة النفس الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع أعمالهم ولن ينسى جهادهم إنه تعالى سينظر إليهم من عليائه فيرضيهم وسينظر إلى جهادهم فيه فيهديهم وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين} [2]

وأما الذين يفتنون المؤمنين ويسومونهم سوء العذاب فما هم أبدًا بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين مهما انتفخ باطلهم وانتفش ومهما زاد ظلمهم وانتعش فكما أن الله تعالى جعل الابتلاء سنة جارية ليميز الخبيث من الطيب فقد جعل أخذ الظالمين أيضًا سنة لا تتبدَّل ولا تتخلف فكل هذه القوى بكل ما تملك من وسائل التقنية الحديثة ومن وسائل الإبادة والتدمير مثلها: {كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [3]

نعم فأين الطواغيت والفراعنة والجبابرة والأكاسرة والقياصرة؟!

أين فرعون الذى قال لقومه: {أنا ربكم الأعلى} واستخفهم بقوله: {أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى} ؟!

فأجراها الله من فوقه!!!

أين نمرود بن كنعان الذى قال لإبراهيم - عليه السلام: {أنا أحيى وأميت} ؟!

أين قارون الذين قال في خيلاء وكبر واستعلاء: {إنا أوتيته على علم عندى} ؟!

وأين عاد وأين ثمود؟ وأين أبو جهل وأبو لهب؟

{فكلًا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليهم حاصبًا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [4]

فيا أيها الظالمون:

(1) سورة الأنبياء: 87، 88

(2) مستفاد من طريق الدعوة من ظلال القرآن (1/ 198 - 28)

(3) سورة العنكبوت: 41

(4) سورة العنكبوت: 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت