فهرس الكتاب
بالسحر والجنون ووُضع الترابُ وسلا الجذور على رأسه وهو ساجد واضطر النبى - صلى الله عليه وسلم - تحت وطأة هذا الأذى أن يخرج هو الآخر يبحث عن أرض أكثر خصوبة من أرض مكة الصلبة الصلدة ليبذر فيها بذرة التوحيد وخرج بأبى هو وأمى يشق الأودية والجبال على قدميه الداميتين المتعبتين بلا راحلة يركبها ويتجه الحبيب إلى الطائف يفتش عن أمل ويبحث عن معين وينقب عن يد حانية تحمل هذا الدين وتنطلق بهذا النور ووصل الحبيب إلى الطائف بعد مسير طويل تحت حرارة الشمس التى تحرق الحجارة وعلى هذه الرمال التى تلفح الوجوه بلهيبها وصل الحبيب وحاله تتمزق لها القلوب جوع وعطش وألم من السير بالليل والنهار وحزن على دعوة مطاردة وأصحاب وأتباع تتخطفهم أيدى الطغاة وأصيب النبى - صلى الله عليه وسلم - بفاجعة شديدة فلقد كان القوم أخس وأنذل مما ينتظر فطردوه من بلادهم وأغروا به العبيد والسفهاء فرموه بالحجارة وألجأوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابنى ربيعة والدماء الشريفة تسيل من قدميه وعاد النبى - صلى الله عليه وسلم - من الطائف مطرودًا مجروحًا منكسر القلب حتى حنت عليه السحاب وأشفقت لمنظره الحجارة وأغصان الشجر واستعدت الجبال الرواسى للانتقام له وجاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين ولكن ينبوع الحنان ونهر الرحمة يرد عليه قائلًا: بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا شرك به شيئًا سبحان الله العظيم والله لو كان الحبيب ممن ينتقم لنفسه ولذاته لأمر ملك الجبال أن ينتقم فطحنت الجبال تلك الجماجم الصلدة ولسالت من جبال الطائف دماء يراها أهل مكة ولكنه ما خرج لنفسه قط بل ما جاء إلا ليملأ الحياة إيمانًا ونورًا ورحمة وسعادة جاء وفى قلبه يقين يقول: إن في هذه الأصلاب ربيع قادم يتنفس الإسلام ولا يعيش إلا به وها هو وعد الله يتحقق بعد هذه السنوات البطيئة الثقيلة وها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجع إلى مكة فاتحًا منتصرًا بإذن الله يحيط عشرة آلاف رجل رباهم على عينه ويدخل الحبيب المسجد وتتهلل الكعبة فرحًا بشروق شمس التوحيد وتتبعثر الأصنام والآلهة المكذوبة في ذل وخزى شديد ويردد الحبيب قول الله عز وجل: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا}
من كان يظن في الأيام الأولى للدعوة أن يأتى هذا اليوم بهذه السرعة وهذا النصر المبين إنه وعد الله!!