الصفحة 46 من 180

كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير [1]

يا لها من تبعة ثقيلة بمقدار ما هى عظيمة

"إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة سواء منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم، فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم ويترتب ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة إنه الأمر الهائل العظيم أمر رقاب الناس أمر حياتهم ومماتهم أمر سعادتهم وشقائهم أمر ثوابهم وعقابهم أمر هذه البشرية، التى إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ!"

فأما رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل وهم لم يبلغوها دعوة باللسان ولكن بلغوها- مع هذا - قدوة ممثلة في العمل، وجهادًا مضنيًا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق وبقى الواجب الثقيل على من بعدهم على المؤمنين برسالتهم فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعدهم وتبليغ هذه الأجيال منوط بأتباعهم ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة تبعة إقامة حجة الله على الناس وتبعة استنفاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا [2]

خامسًا: تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق:

وأساس هذا المنهج الكريم هو ربط القلب البشرى بالله جل وعلا يرجوه ويخشاه، فينقاد لأوامره جل وعلا راجيًا رضاه وينتهى عن نواهيه ويقف عند حدوده يخشى سخطه وعذابه والله جل وعلا لم يأمر إلا بكل خير ولم ينه إلا عن كل شر {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون} [3]

ويقول سبحانه: {قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوا كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [4]

ووسيلة الأنبياء والرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - إلى تحقيق هذا المنهج التربوى الربانى العجيب من تزكية للنفوس وتهذيب للأخلاق هى"القدوة"نعم فهم هداة البشرية وهم معلموها وقادتها الذين يقودون سفينتها وسط هذه الرياح العاتية - رياح الشهوات والشبهات - إلى بر الإيمان والأمان!!

لأنه لا يكفى في هداية الناس أن يسمعوا كلمة الخير والحق والهدى تلقى إليهم مجردة - وفقط - كلا بل لابد أن يروها مجسدة في كيان بشرى يترجمها ويحولها إلى واقع ملموس وعمل مشاهد وعندئذ تكون التكاليف على الناس سهلة ميسورة في التحقيق والتطبيق {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [5]

بل ويأمر الله تعالى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - - أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية - أن يقتدى بالأنبياء والرسل من قبله فيقول سبحانه: {أولئك الذين ءاتينهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [6]

(1) سورة الملك: 6: 11

(2) بتصرف من الضلال 2/ 89

(3) سورة النحل: 9

(4) سورة الأنعام: 151: 153

(5) سورة الأحزاب: 21

(6) سورة الأنعام: 89، 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت