الصفحة 452 من 1745

فكان هذا الصنيع من نافع دالا أبلغ دلالة على مقدار الحاجة إلى معرفة القارئ بمصادره قبل أن يقدم على الاطمئنان إليها فيما يأخذ به من اختيار، كما كان ينم عن نضج كبير في شخصيته العلمية ومقدار تشبعه بمنهج أهل الحديث في انتقاد الأسانيد، والعناية بمعرفة أحوال النقلة، وإخضاعهم للفحص والنظر، باستعمال معايير التعديل والتجريح المعتبرة عند أهل هذا الشأن، لتمييز الصحيح السائر، من الغريب النادر، والضعيف الشاذ والواهي الساقط.

ويدل على ما ذكرنا لنافع من اهتمام بالفحص عن حال حلقات السند عند رجال مشيخته، ما قدمناه من تنبيهه على عجمة لسان شيخه نافع مولى ابن عمر وغلبة اللحن عليه، فهذا التنبيه مفيد بالنسبة لمعرفة مرتبة التحمل والرواية عنه، باعتبار اللحن في الحديث مما ينزل بدرجة الراوي في القدرة على ضبط الرواية لا سيما حين يتعلق الأمر بحروف القرآن. لأن اللحن من الشيخ مؤذن بوقوع الخلل في الأداء، وداع إلى ضعف الطمأنينة لدى الآخذ عنه على صحة ما ينقله ويرويه.

وقد ساق الذهبي خبرا يشبه أن يكون المعني به نافعا هذا، ويتعلق بعدم معرفته بالعربية، عن الأصمعي قال: حدثنا نافع، حدثنا الأعرج [1] أنه [2] قرأ"لتخذت عليه أجرا" [3] قال: لا تأخذها عنه، فإنه لم يكن عالما بالعربية" [4] ."

(1) - يعني عبد الرحمن بن هرمز

(2) - لعل المراد نافع مولى ابن عمر كما سيأتي، ولا يصح أن يرجع الضمير إلى الأعرج لما تقدم من كونه أول من وضع العربية بالمدينة

(3) - سورة الكهف الآية رقم 77، ورسمها في المصحف"لتخذت"ولعل نافعا قرأ بكسر الخاء مع تخفيف ما قبلها، وبه قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وقرأ نافع وباقي السبعة وغيرهم بتشديد التاء وفتح الخاء"لاتخذت. ينظر في ذلك: السبعة لابن مجاهد 396 - والتيسير للداني 145."

(4) - معرفة القراء للذهبي 1/63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت