وبذلك بلغ المذهب القيرواني في القراءة لهذا العهد على أيدي هؤلاء الرواد أقصى ما أمكن لمذهب في الأداء ـ وخصوصا في رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق ـ أن يبلغه من الشهرة والذيوع والانتشار.
ولقد مر بنا ذكر الانتكاسة التي تعرضت لها هذه المدرسة الفنية في عقر دارها بالقيروان نتيجة الغزو الهمجي الذي تعرضت له من لدن عرب سليم وهلال في منتصف المائة الخامسة، هذا الغزو الذي قضى على المجد الباذخ لهذه المدينة، وأباد خضراءها، وطوح بمن قدر له البقاء في كل اتجاه.
وكان بدء ذلك لما قطع المعز بن باديس الصنهاجي الدعوة للعبيديين الذين كانوا يعتبرونه نائبا عنهم في إدارة البلاد بعد أن حولوا قاعدة الملك من أفريقية إلى القاهرة،"وبايع القائم أبا جعفر بن القادر من خلفاء بني العباس سنة 437، وبعث بالبيعة إلى بغداد وقلده الخليفة من قبله، وقرئ كتابه بجامع القيروان، وانتشرت الرايات السود، وهدمت دور الإسماعيلية، وبلغ الخبر إلى المستنصر ـ العبيدي ـ فأرسل عرب بني هلال على أفريقية، تأديبيا للمعتز وانتقاما منه، وكان في نص الإنذار الذي بعث به إلى المعز على لسان وزير المستنصر أبي محمد الحسن بن علي الباروزي:"
"أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا" [1] .
وهكذا وصل الزحف الهلالي الرهيب إلى أفريقية سنة 443، فهزموا المعز الصنهاجي وحاصروه في قاعدة ملكه، وفر أهل القيروان إلى تونس،"واقتسمت الحرب الهلالية بلاد أفريقية سنة 446 وخربوا القيروان" [2] .
(1) - تاريخ ابن خلدون 6/14ـ16.
(2) - المصدر نفسه 16.