الصفحة 62 من 1745

"فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوز حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا مذهبهم في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم" [1] .

وقد عرض ابن خلدون نمطا آخر في التعليم شاع الأخذ به واستعماله في الأندلس، ونمطا آخر جرى الأخذ به واستعماله مؤخرا بتونس، تتم فيه المزاوجة بين تعليم القرآن وتلقين علوم اللغة والأدب، إلا أن في كلامه ما يدل على أنه إنما يعني طورا متأخرا في الزمن إلى عصره أو قريب منه، ودليل ذلك ما ساقه بعده نقلا عن القاضي أبي بكر بن العربي الاشبيلي (ت 543) ، إذ ذكر أنه"ذهب في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وأبدأ، ودعا إلى التعليم على الطريقة الأندلسية بتقديم العربية وآدابها" [2] .

ومع ما ذكره ابن خلدون عن كون ابن العربي دعا إلى التعليم على الطريقة الأندلسية، فإنه ذكر من كلام ابن العربي نفسه ما يدل على أن الطريقة المذكورة أشبه بأن تكون الطريقة المقترحة فقط، أو على الأقل النمط الخاص الذي كان يأخذ به بعض الكبراء في زمنه، استمرارا لما عليه الأمر في المشرق، وإلا فان ابن العربي نفسه في المائة السادسة ينعي على أهل بلده أو على المغاربة عموما، ما درجوا عليه من التبكير بالقرآن في أول طور من التعليم فيقول:

(1) - مقدمة ابن خلدون ص 538.

(2) - المصدر نفسه 539.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت