تنتهي الحبال عند قدميه، ويضم كل الخيوط في يديه، يحرك الجميع بإشارة من إصبعه كأنه يمتلك خاتم سليمان، ويوقفهم بزر من أزراره. وإذا غضب على أحد حجب عنه الشمس، ومنع عنه الضوء، ولم يسمح له من الطعام إلا بما يقيم أوده، ومن الأوكسجين إلا ما يبقي على أنفاسه حتى حين، ويحكم عليه الحصار كأنه يضعه في قمقم سليمان.
بين يديه تختفي مؤسسات الدولة وتذوب سلطاتها حياء منه، وتحت قدميه تضمحل قوانينها وقواعدها، فهو المشرع والمنفذ والحكم، وهو الحاكم والمعارض، المانح والمانع، الخصم والحكم، القاضي والجلاد، وإذا وجدت مثل هذه المؤسسات فهي تتقمص روحه، فلا تقول إلا ما يريد، ولا تفعل إلا ما يشاء، تنطلق في تشريعاتها وقوانينها وإجراءاتها وأقضيتها من رغبته، فهي ليست سوى ناطقة بحكمه وحنكته مجسدة لمشيه ومشيئته.
ألقاب وقوالب بدون قلوب
في أنظمة الاستبداد تصبح السلطة التشريعية (تشريحية) ، وتصبح السلطة التنفيذية منفذة لمصائب الشعب وصانعة لمعاناته، وتصير السلطة القضائية قاضية على آمال الشعب في العدالة الاجتماعية والكفاءة السياسية، أما السلطة الرابعة [الصحافة] فهي تجثو عند أقدام الحاكم لتبوء بجدارة بلقب السلطة (الراكعة) ، والتي لا تسأم من عزف أناشيد الشكر والحمد للزعيم الملهم وتسابيح الثناء العاطر على الذات العلية، ومداومة التلهج بصفاته العلى ومقاماته الجليلة. وفي هذا النمط من الأنظمة تطول نشرات الأخبار وهي تعدد ملاحم الحاكم وبطولاته، وتحلل قدراته ومواهبه ومعجزاته، وتسرد مآثره ومنجزاته على كل المستويات، ابتداءً بجمال الطبيعة وذكاء الإنسان، ومرورًا بالدور والقصور، وانتهاء بالمطبخ والحمام وغرفة النوم!