في ظل الحكم الاستبدادي لا يتغير جوهر الحقائق، وإن تغير الشكل، ولا يتبدل المخبر وإن اختلف المظهر، ولا يتغير المذيع وإن اختلفت الإذاعة، ويصبح الثابت الأساسي في هذا النمط من الحكم أن المغني لا يتغير، حتى لو انتقل البلد من الملكية إلى الجمهورية، ولو عدل الدستور وتطورت القوانين، فحكام الاستبداد الذين يتعاملون مع الوطن كعزبة في كل الحالات، قد يسمحون بتغيير الأغنية، أما المغني فهو خط أحمر، وقد يسمحون بتغيير الباب، أما الديمة فهي خط بني. وبهذا يذهب الناس ويجيئون، وتظل الجمعة هي الجمعة، وتصبح بضاعة المقهورين كلها (صابون) لكنه ليس الذي ينظف الجسد، بل الذي يزيل الكرامة ويمسح الآدمية، ثم هو الذي يعمي البصر ويطمس البصيرة.
وعندما تدخل هذه الأنظمة إصلاحات ديمقراطية على بنيتها، تسمح بإنشاء حرية من عيار (أنت حر في أن تقول ما أريد) أي ما تريده هي، وإذا تحررت أكثر سمحت بديمقراطية (أنت حر في أن نقول ما نشاء وأفعل ما أشاء) فهي لم تعد تهتم بوحدة الطرق، ما دامت محطة المغادرة واحدة، ولا بتعدد وسائل الركوب والحركة ما دامت محطة الوصول موحدة، وهي التي تحدد بنفسها حدودها وطعمها ولونها وشكلها!
وفي ذات السياق تستخدم أنظمة الاستبداد شعارات الديمقراطية لتأصيل لب الديكتاتورية، وتحول أثواب الحرية إلى أكفان لـ (الأحرار) ومراسم الانتخابات إلى مواسم انتخابات، وصناديق الاقتراع إلى توابيت لدفن الإرادة الشعبية، وقنوات (الحرية) إلى قنوات لتعزيز (العبودية) وآليات الديمقراطية إلى آلات لحفر قبور لقيم الديمقراطية. وتقلب أعراس الديمقراطية إلى مآتم ومآسي، وتلطخ أيام الحرية البيضاء بسواد استبداد ممارساتها وعبثها بحرمات الناس وحقوقهم، كمن كان يعصي الله في فيافي الأرض، فضغط عليه الناس لكي يتوب ويدخل المسجد، فدخل المسجد ولكنه ارتكب خطاياه فيه!! أو كمن كان مريضًا فدعاه الناس للتداوي، لكنه رأى دواءه في تغيير ثوبه!