فإن الشاب على أول نشوئه. والخير في الشباب كبير، وهذه سنٌ مباركة، والعطاء فيها عظيم، والقدرات فيها كثيرة. فإذا أحسن استثمارها عادت بالنفع الكبير وإلا أصبحت موجةً من القوة التدميرية تدمّر كل شيء. والذين يذهبون ويقولون: نريد الاطّلاع على الأنظمة المتقدمة والأساليب العلمية الجديدة وما استجدّ في العلوم المختلفة وفرصة التدريب في الأماكن المتقدّمة والمشاركة في المؤتمرات العلمية ومتابعة المستجدات في التخصص ونحو ذلك؛ من هذه المبرّرات فعلًا ما هو حق، وأن الأخذ به سيفيد، ولكن عندما يتقاطر شباب المسلمين زرافاتٍ ووحدانًا على الذهاب إلى بلاد الكفر بغض النظر عن أسنانهم وأعمارهم وما لديهم من التحصين فإنه يمكن أن تكون هنالك كارثةٌ كبرى تحيط بالأمة.
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: وهل هناك أنجح من حضنهم - أي أعداء الله - للمراهقين في مثل هذه الرحلات وغسل أدمغتهم بما يلقونه عليهم من توجيه؟ فتيقظوا لهذه الخطط الخبيثة ولا تسلموا أولادكم لأعدائكم فتلقوا بهم إلى التهلكة وتدفعوهم إلى طرق الضلال. يظنّ بعض المبتعثين أنهم سيعودون لتبوّأ أعلى المناصب، فإذا وجد دعمًا ماليًا فإن أهله سيسعون لإقناعه قبل نفسه وستكون الفرصة الذهبية بالنسبة له في نظر هؤلاء. ولا بد من العودة إلى تاريخ ما حصل في الأمة عندما أرسلت أبناءها وبناتها إلى الخارج وماذا كانت النتيجة. لقد عاد بعضهم فعلًا بأسبابٍ للرقي وتقنياتٍ وخبراتٍ وعلومٍ نافعة، ولكن كثيرًا منهم وبعض الذين رجعوا بأمورٍ نافعة قد رجعوا بأشياء أخرى معها أيضًا. فحصل من تسميم العقول ومسخ الشخصيات على يد الهيئات والأجواء والبيئات الموجودة هنالك ما حصل. وقد كان لبعض أجيال المسلمين ذهابٌ إلى الخارج فرجعوا إلى بلادهم في غاية الانفكاك والدعوة إلى التغريب وخلع ثياب الإسلام وأنه شيءٌ متخلفٌ متأخر. ويرجع بعضهم أيضًا بأنواع من الأمراض التي تفتك بالأجساد والانحلال والانحراف والوقوع في الحرام نتيجةً للصدمة التي وجدها عندما ذهب إلى مكانٍ لا يوجد فيه نوعٌ من الضوابط في قضايا الأخلاق والعلاقة بين الجنسين.
قال المستشرق شاتلي: إن أردتم أن تغزو الإسلام و تقضوا على هذه العقيدة فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس شبابكم المسلم بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم المعنوي وكتابهم القرآن، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج لكفانا لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها. وقال ممثل مذهب الإلحاد والوجودية في هذا الزمن المتأخر: جان بول سارتر: كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف الأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام والنرويج وبلجيكا وباريس، فتتغيّر ملابسهم ويتعلمون منا طريقةً جديدةً في الرواح والغدو، ويتعلمون لغاتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا. وكنا ندبّر لبعضهم أحيانًا زيجاتٍ أوربية ثم نلقّنهم أسلوب الحياة الغربية، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوربا ثم نرسلهم إلى بلادها التي كانت أبوابها مغلقةً في وجوهنا ولم نكن نجد منفذًا إليها. كنا بالنّسبة إليهم رجسًا ونجسًا، لكن منذ أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم في بلادنا كنا نصيح من برلين أو باريس: الإخاء البشري، فيرتدّ رجع أصواتنا من أقاصي أفريقيا أو الشرق الأوسط أو شمال أفريقية لنقول لهم: ليحل دين الإنسانيّة محل الأديان المختلفة.