هذا ما قاله بعض مفكّري الغرب في مرحلةٍ مبكرةٍ من القرن الماضي عندما بدأت أجيال البعثات في التوافد من بلاد المسلمين إلى تلك المجتمعات. فإذا رجعوا عاثوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. رجعوا بأنواع من الإلحاد والتزلزل في الدين الذي حصل لهم هناك ثم بتحررٍ من ضوابط الأخلاق وبقية الفضيلة التي كانت لديهم. ومع العولمة اليوم صار الفساد هنا وهناك، ولكن يبقى مركزه ومصدره هنا.
ولا شك أن مجتمعًا فيه دين الإسلام وسماع الأذان والمساجد والأخيار والدعاة وطلبة العلم وكبار السن ممن فيهم دينٌ وإيمان وشيء من الروابط الأسرية الباقية هو خيرٌ وأقوم من بلاد الانحلال والكفر والإباحية. والعجب أن المتأمّل للذين ذهبوا من المبتعثين من الصين واليابان، وتلك البلاد المشرقية إلى بلاد الغرب للتحصيل في أوائل القرن الماضي في زمنٍ متقاربٍ جدًا مع بعثات المسلمين إلى تلك البلاد يجد أن هؤلاء الذين ذهبوا من بلاد البوذيين كانت لديهم طموحاتٌ عظيمة وأهدافٌ سامية في نقل تقنية الغرب إلى بلاد الشرق. وكان الطالب الياباني يذهب في أواخر القرن الماضي ليتعلم التقنية مع المحافظة المتشددة على أخلاق بلاده ومجتمعه المشرقي. كما يذهب التلميذ الصيني المتواضع ليتعلم في مختبر جوليو كوري في باريس ويعود لبلاده بمعلوماتٍ نوويةٍ أدهشت العالم. ولكن ما الذي كان يحدث لكثيرٍ من أبناء المسلمين وبناتهم؟ ترك روحهم في مقاهي وخمارات الحي اللاتيني أو النوادي الموجودة في تلك الأصقاع. والأذكياء والمتفوقون كانت تعرض عليهم الفرص العظيمة للابتعاث وهم صغار السن ليتخلّقوا بما يوجد هنالك من الأخلاق، ويحدث الاختلاط والمجالسة والمؤانسة وأنواع التغذية عمدًا وبغير عمدٍ بما يوجد هنالك، والبيئة غالبة والرفقة طاغية والاقتباس كبيرٌ من الضعيف، واقتباس الضعيف من الغالب القوي اقتباسٌ كبير، فيأخذ العلوم النافعة وغيرها. ولقد تنصّر بعض من ذهب من أبنائنا إلى تلك البلاد ولا شك.
فأما أحوالهم في هذا الزمن المتأخر فإنها عجبٌ عجاب. غيّر بعضهم عنوانه ورقم هاتفه وقطع صلته بأهله وتوفيت أمه وهي تعاني من فقد ولدها الذي لا يتصل بهم أبدًا. وهكذا باع دينه وأهله وذاب مع أولئك القوم. ويقول آخرون من الشباب المتبعثين: كل أسبوعين يأتينا عرض رحلةٍ مع المنصّرين وتكون الرحلة ثقافية ورياضية وترفيهية منظمة ومرتبة. ويقول أيضًا بعض الطلاب القدامى في الابتعاث عن الطلاب الجدد الذين جاؤوهم أنهم انفلتوا من كل عقال، فما أن وطئت أقدامهم تلك الأرض الغربية حتى أزالوا كل شيء، انفلتوا على المراقص والسينمات والخمارات وأنواع الفجور، لبسوا الحلق والسلاسل، وهكذا الأغلب منهم، هذا حالهم.
ولا شك أن خطر الانحلال من الدين وتزلزل العقيدة عظيم. {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (المائدة: من الآية72) . وإذا كانت الدنيا ستشترى وتدفع الآخرة والدين ليتخلص منهما ثمنًا في المقابل فليعلم هؤلاء أن الله قال في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (يونس:7 - 8) . عندما يحدث