ولو كان هنالك من التقارير الدقيقة المتوالية والتقويميّة من الثقات ما يحدث لأمكن على الأقل إذا لوحظ تغييرٌ في شخصٍ ونُصِحَ وأنذر فلم يتسجب أن يسحب من البعثة. ولكن تبقى القضية تتفاقم حتى يدخل في مهاوي الرذيلة ليرجع مرغمًا بعد مدة خالي اليدين صفرًا لا يملك شيئًا لا من أمور الدين ولا من أمور الدنيا. فمتى تستفحل القضية إذًا ويتم سحبه؟ بعد خراب البصرة. ثم ما هو دور مراكز البحث العلمي في تقاريرها وتقويمها للأمور وجمعها للإحصاءات والبيانات التي تساعد على اتخاذ ما يلزم لتحصين هؤلاء الذاهبين؟ وما هي السنّ المشترطة والوضع الاجتماعي المشترط لهذا؟ وأين الربط بين المراكز الإسلامية الموثوقة وبين هؤلاء الطلبة عندما يذهبون فيجدون على الأقل بعض إخوانهم في الدين لهم صلاتٌ بهم؟ وأين استمرار الصلة بين المبعوث وبين أهله؟ وبين أهل القدوة والتربية والعلم والموعظة والفتوى، ومن الذي سيجيب عن أسئلتهم؟ وهل أُعِدَّت العدة لتلبية حاجاتهم في الاستفتاء عندما تقوم؟
إن دوراتٍ تأهيليةٍ شرعيةٍ وإيمانيةٍ أمرٌ مطلوبٌ جدًا في مثل هذه الحالات، بل إن البوذيين الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب كانوا لا يزالون على تواصلٍ مستمرٍ بالجهات التي ابتعثتهم من بلدانهم وبسفارات بلدانهم في تلك الديار التي ذهبوا إليها. وأين الزيارات المتتابعة منه لوالديه كلما أمكن؟ فإذا استطعنا ولو بشيءٍ من الإنفاق الزائد أن يزور والديه كل ربع سنة وأن تطول مدة إقامته في الإجازة عند أهله لكان في ذلك أيضًا نوعٌ من تقوية الصلة وتمكينها. وأين الدراسات على نفسيّات المبتعثين؟ وماذا حدث في كل حالة من الحالات السلبيّة والسعي إلى تلافيها؟ وأين الحضّ على العودة إلى بلده مباشرةً فور انتهاء دراسته حتى لو حصل أنواعٌ من الإغراء المادي للبقاء هناك. بل ربما يتأخر بعضهم عمدًا في الدراسة لأن هنالك من ينفق عليه. فلماذا الاستعجال؟ والمسألة تقوم على تذكّر الله تعالى أولًا وأخيرًا، والخوف من عقابه، وأن هنالك جنة ونار وأن هنالك قبرًا وأهوالًا. وأن هنالك حسابًا عسيرًا يوم الدين، والدنيا تقبل وتدبر، وتلك الأيام نداولها بين الناس، والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.
عباد الله!
إن الشعور بالمسؤولية والرغبة بالتصحيح والشفقة على هؤلاء الأغرار الصغار المساكين المراهقين الذين يذهبون في مقتبل السن، الرحمة الحقيقية بهم ليس في تعريضهم للخطر وأنواع الزلزلة العقدية والانحلال الخلقي، وإنما في إعدادهم نشأً صالحًا؛ حتى إذا احتاج الأمر من بعضهم للذهاب، ذهب وهو قويٌ في دينه، فخورٌ بعقيدته، يتشرّف بالرسالة التي يدعو إليها، بل يذهب داعيةً في الحقيقة فاتحًا لبلاد القوم بالقرآن. فما أجمل أن يكون المبتعث داعيةً إلى الدين بدلًا من أن يكون مدعوًا إلى الفحشاء والشرّ والشرك.