الصفحة 3 من 445

إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة. . إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ; ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح ; إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر. وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) . . والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون. ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس , حتى يحاسبهم عليه , ويأخذهم به. فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم , بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم.

ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية , والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة. . أمر شاق , ومحاولة عسيرة. . إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق , وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه:

(وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) . .

فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات , وأن تنفض عنها تلك الرواسب ; وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع , حيثما وجهها الله تتجه , وحيثما قادها رسول الله تقاد.

ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم. إنهم ليسوا على ضلال , وإن صلاتهم لم تضع , فالله سبحانه لا يعنت العباد , ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ; ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها:

(وما كان الله ليضيع إيمانكم , إن الله بالناس لرؤوف رحيم) . .

إنه يعرف طاقتهم المحدودة , فلا يكلفهم فوق طاقتهم ; وإنه يهدي المؤمنين , ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان , حين تصدق منهم النية , وتصح العزيمة. وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته , فاجتياز البلاء فضل رحمته: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) . .

بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة , ويذهب عنها القلق , ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين. . (( الظلال ) )

وقال تعالى:

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء

فهو إذن موكب واحد يتراءى على طريق التاريخ البشري الموصول , ورسالة واحدة بهدى واحد للإنذار والتبشير. . موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من بين البشر: نوح. وإبراهيم. وإسماعيل. وإسحاق. ويعقوب. والأسباط. وعيسى. وأيوب. ويونس. وهارون. وسليمان. وداود. وموسى. . . وغيرهم ممن قصهم الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن , وممن لم يقصصهم عليه. . موكب من شتى الأقوام والأجناس , وشتى البقاع والأرضين. في شتى الآونة والأزمان. لا يفرقهم نسب ولا جنس , ولا أرض ولا وطن. ولا زمن ولا بيئة. كلهم آت من ذلك المصدر الكريم. وكلهم يحمل ذلك النور الهادي. وكلهم يؤدي الإنذار والتبشير. وكلهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت