البشرية إلى ذلك النور. . سواء منهم من جاء لعشيرة. ومن جاء لقوم. ومن جاء لمدينة ومن جاء لقطر. . ثم من جاء للناس أجمعين: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.
كلهم تلقى الوحي من الله. فما جاء بشيء من عنده. وإذا كان الله قد كلم موسى تكليما فهو لون من الوحي لا يعرف أحد كيف كان يتم. لأن القرآن - وهو المصدر الوحيد الصحيح الذي لا يرقى الشك إلى صحته - لم يفصل لنا في ذلك شيئا. فلا نعلم إلا أنه كان كلاما. ولكن ما طبيعته ? كيف تم ? بأية حاسة أو قوة كان موسى يتلقاه ?. . . كل ذلك غيب من الغيب لم يحدثنا عنه القرآن. وليس وراء القرآن - في هذا الباب - إلا أساطير لا تستند إلى برهان.
إولئك الرسل - من قص الله على رسوله منهم ومن لم يقصص - اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعث بهم إلى عبادة يبشرونهم بما أعده الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان ; وينذرونهم ما أعده الله للكافرين العصاة من جحيم وغضب. . كل ذلك:
(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) . .
ولله الحجة البالغة في الأنفس والآفاق ; وقد أعطى الله البشر من العقل ما يتدبرون به دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ولكنه - سبحانه - رحمة منه بعباده , وتقديرا لغلبة الشهوات على تلك الأداة العظيمة التي أعطاها لهم - أداة العقل - اقتضت رحمته وحكمته أن يرسل إليهم الرسل (مبشرين ومنذرين) يذكرونهم ويبصرونهم ; ويحاولون استنقاذ فطرتهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات , التي تحجب عنها أو تحجبها عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق.
وكان الله عزيزا حكيمًا. .
عزيزا: قادرا على أخذ العباد بما كسبوا. حكيما: يدبر الأمر كله بالحكمة ويضع كل أمر في نصابه. . والقدرة والحكمة لهما عملهما فيما قدره الله في هذا الأمر وارتضاه. .
ونقف من هذه اللفتة: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) أمام حشد من الإيحاءات اللطيفة العميقة ونختار منه ثلاثا على سبيل الاختصار الذي لا يخرج بنا من الظلال.
نقف منها: أولا: أمام قيمة العقل البشري ووظيفته ودوره في أخطر قضايا"الإنسان"قضية الإيمان بالله ; التي تقوم عليها حياته في الأرض من جذورها ; بكل مقوماتها واتجاهاتها وواقعياتها وتصرفاتها ; كما يقوم عليها مآله في الآخرة وهي أكبر وأبقى.
لو كان الله - سبحانه - وهو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها , يعلم أن العقل البشري , الذي وهبه للإنسان , هو حسب هذا الإنسان في بلوغ الهدى لنفسه والمصلحة لحياته , في دنياه وآخرته , لوكله إلى هذا العقل وحده ; يبحث عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق , ويرسم لنفسه كذلك المنهج الذي تقوم عليه حياته , فتستقيم على الحق والصواب ; ولما أرسل إليه الرسل على مدى التاريخ ; ولما جعل حجته على عباده هي رسالة الرسل إليهم ; وتبليغهم عن ربهم ; ولما جعل حجة الناس عنده - سبحانه - هي عدم مجيء الرسل إليهم: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) . . ولكن لما علم الله - سبحانه - أن العقل الذي آتاه للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى - بغير توجيه من الرسالة وعون وضبط - وقاصرة كذلك عن رسم منهج للحياة الإنسانية يحقق المصلحة الصحيحة لهذه الحياة ; وينجي صاحبه من سوء المآل في الدنيا والآخرة. . لما علم الله - سبحانه - هذا شاءت حكمته وشاءت رحمته أن يبعث للناس بالرسل , وألا يؤاخذ