الصفحة 5 من 445

الناس إلا بعد الرسالة والتبليغ: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) . . وهذه تكاد تكون إحدى البديهيات التي تبرز من هذا النص القرآني. . فإن لم تكن بديهية فهي إحدى المقتضيات الحتمية. .

إذن. . ما هي وظيفة هذا العقل البشري ; وما هو دوره في قضية الإيمان والهدى ; وفي قضية منهج الحياة ونظامها ?

إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة ; ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول. ومهمة الرسول أن يبلغ , ويبين , ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام. وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق ; وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح , ومنهج النظر الصحيح ; وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية , المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة.

وليس دور العقل أن يكون حاكما على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان , والقبول أو الرفض - بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله ; وبعد أن يفهم المقصود بها: أي المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص - ولو كان له أن يقبلها أو يرفضها - بعد إدراك مدلولها , لأنه هو لا يوافق على هذا المدلول! أو لا يريد أن يستجيب له - ما استحق العقاب من الله على الكفر بعد البيان. . فهو إذن ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح , ومتى فهم عقله ما المقصود بها وما المراد منها. .

إن هذه الرسالة تخاطب العقل. . بمعنى أنها توقظه , وتوجهه , وتقيم له منهج النظر الصحيح. . لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها , وبقبولها أو رفضها. ومتى ثبت النص كان هو الحكم ; وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه ; سواء كان مدلوله مألوفا له أو غريبا عليه. .

إن دور العقل - في هذا الصدد - هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص. وما مدلوله الذي يعطيه حسب معاني العبارة في اللغة والاصطلاح. وعند هذا الحد ينتهي دوره. . إن المدلول الصحيح للنص لا يقبل البطلان أو الرفض بحكم من هذا العقل. فهذا النص من عند الله , والعقل ليس إلها يحكم بالصحة أو البطلان , وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله.

وعند هذه النقطة الدقيقة يقع خلط كثير. . سواء ممن يريدون تأليه العقل البشري فيجعلونه هو الحكم في صحة أو بطلان المقررات الدينية الصحيحة. . أو ممن يريدون إلغاء العقل , ونفي دوره في الإيمان والهدى. . والطريق الوسط الصحيح هو الذي بيناه هنا. . من أن الرسالة تخاطب العقل ليدرك مقرراتها ; وترسم له المنهج الصحيح للنظر في هذه المقررات , وفي شؤون الحياة كلها. فإذا أدرك مقرراتها - أي إذا فهم ماذا يعني النص - لم يعد أمامه إلا التصديق والطاعة والتنفيذ. . فهي لا تكلف الإنسان العمل بها سواء فهمها أم لم يفهمها. وهي كذلك لا تبيح له مناقشة مقرراتها متى أدرك هذه المقررات , وفق مفهوم نصوصها. . مناقشتها ليقبلها أو يرفضها. ليحكم بصحتها أو خطئها. . وقد علم أنها جاءته من عند الله. الذي لا يقص إلا الحق , ولا يأمر إلا بالخير.

والمنهج الصحيح في التلقي عن الله , هو ألا يواجه العقل مقررات الدين الصحيحة - بعد أن يدرك المقصود بها - بمقررات له سابقة عليها ; كونها لنفسه من مقولاته"المنطقية"! أو من ملاحظاته المحدودة ; أو من تجاربه الناقصة. . إنما المنهج الصحيح أن يتلقى النصوص الصحيحة , ويكون منها مقرراته هو! فهي أصح من مقرراته الذاتية ; ومنهجها أقوم من منهجه الذاتي - قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت