الصفحة 32 من 445

(والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات. من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) . .

فيقرر حقيقة حالة المكذبين وطبيعتهم. . إنهم صم وبكم في الظلمات. . ويقرر سنة الله في الهدى والضلال. . إنها تعلق مشيئة الله بهذا أو ذاك , وفق الفطرة التي فطر الله عليها العباد.

بذلك تلتئم جوانب التصور الإسلامي للأمر كله. إلى جانب وضوح المنهج في الدعوة , وتقرير موقف صاحب الدعوة , وهو يتحرك بهذه العقيدة , ويواجه النفوس البشرية في كل حال وفي كل جيل. .

ولعل هذه اللمسات - إلى جانب ما تقدم في مقدمة السورة - عن المنهج يكون فيها ما ينير الطريق. وبالله التوفيق. .

(وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) . .

وذلك لإبراز تلك الدلالة المستفادة من السياق كله ; وصوغها في تقرير واحد واضح حاسم:

إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام. بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة. . . بل إن شريعته هي عقيدته. . إذ هي الترجمة الواقعية لها. . . كما تتجلى هذه الحقيقة الأساسية من خلال النصوص القرآنية , وعرضها في المنهج القرآني. .

وهذه هي الحقيقة التي زحزح مفهوم"الدين"في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة , بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة. . حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين - ودعك من أعدائه والمستهزئين والمستهترين الذين لا يحفلونه - أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة! لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة! ولا يعدون المروق منها مروقًا من الدين , كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة. إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة , قرونًا طويلة , حتى انتهت مسألة الحاكمية الى هذه الصورة الباهتة , حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية - موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة , إنما موضوعها هو العقيدة - وتحشد لها كل هذه المؤثرات , وكل هذه التقريرات ; بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية. ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير. . أصل الحاكمية. . وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي. .

إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك , ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك. ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك. . إن هؤلاء لا يقرأون القرآن. ولا يعرفون طبيعة هذا الدين. . فليقرأوا القرآن كما أنزله الله , وليأخذوا قول الله بجد: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) . .

وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون , أو هذا الإجراء , أو هذا القول , منطبقًا على شريعة الله أو غير منطبق. . وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك. . كأن الإسلام كله قائم , فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت