هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين , يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون. بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة. . إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة. . إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية. شهادة بأن هذا الدين قائم فيها , لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن"الوجود"أصلًا , ما داملا يتمثل في نظام وأوضاع , الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد.
إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله. فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين. . وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم , لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله , وتغتصب سلطانه , وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد. . وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات , ويربطها بقضية الألوهية والعبودية , ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر , وميزان الجاهلية أو الإسلام.
إن المعركة الحقيقية التي خاضها الإسلام ليقرر"وجوده"لم تكن هي المعركة مع الإلحاد , حتى يكون مجرد"التدين"هو ما يسعى إليه المتحمسون لهذا الدين! ولم تكن هي المعركة مع الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي - فهذه معارك تالية لمعركة"وجود"هذا الدين!. . لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر"وجوده"هي معركة"الحاكمية"وتقرير لمن تكون. . لذلك خاضها وهو في مكة. خاضها وهو ينشيء العقيدة , ولا يتعرض للنظام والشريعة. خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده , لا يدعيها لنفسه مسلم , ولا يقر مدعيها على دعواه مسلم. . فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة , يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة. . فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون. بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين! (( الظلال ) )
وقد آن للمسلمين أن يترفعوا عما كان يقع به المسلمون من قبل من تعصب مذهبي ومن قتال ونزاع
وآن لهم أن يوقنوا أن فهم هذا الدين غير محصور بأربعة رجال (( مهما بلغوا ) )
بل لا بد من الأخذ بقول كل من خدم هذا الدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان
وكذلك الأئمة الذين خدموا هذه الرسالة العظيمة وافنوا حياتهم في ذلك سواء كانوا داخل المذاهب الأربعة أو خارج المذاهب
وأن يكون رائد المسلمين هو اتباع الكتاب والسنة وما كان أقرب لهما من أقوال الأئمة عبر التاريخ الإسلامي كله
وهذه النقطة إحدى خصائص هذا الدين الواجبة الاتباع
أما أولئك الذين يتعصبون لمذهب معين ويعتبرونه دينا فقد سقطوا على الطريق وتجاوزهم الزمان
لأنه لم يعد في هذا العصر عصر الفضائيات والإنترنت الذي جعل هذه الأرض بين يدي أي واحد منا (لم يعد لهم وجود)
وكذلك فإن وجود هذه التقنيات الحديثة مما يسهل على المسلمين التلاقي وتلاقح الأفكار وجمع هذا التراث العظيم كله والأخذ بما يرونه أقرب لكتاب ربهم ولسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم