الصفحة 7 من 445

الحياة البشرية فالحق هو ما قال - سبحانه - وليس للعقل أن يقول: ولكنني أرى المصلحة في كذا وكذا مما يخالف عن أمر الله , أو فيما لم يأذن به الله ولم يشرعه للناس. . فما يراه العقل مصلحة يحتمل الخطأ والصواب , وتدفع إليه الشهوات والنزوات. . وما يقرره الله - سبحانه - لا يحتمل إلا الصحة والصلاح. .

وما قرره الله سبحانه من العقائد والتصورات , أو من منهج الحياة ونظامها , سواء في موقف العقل إزاءه. . متى صح النص , وكان قطعي الدلالة ; ولم يوقت بوقت. . فليس للعقل أن يقول: آخذ في العقائد والشعائر التعبدية ; ولكني أرى أن الزمن قد تغير في منهج الحياة ونظامها. . فلو شاء الله أن يوقت مفعول النصوص لوقته. فما دام النص مطلقا فإنه يستوي زمان نزوله وآخر الزمان. . احترازا من الجرأة على الله , ورمي علمه بالنقص والقصور - سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. . إنما يكون الاجتهاد في تطبيق النص العام على الحالة الجزئية ; لا في قبول المبدأ العام أو رفضه , تحت أي مقولة من مقولات العقل في جيل من الأجيال!

وليس في شيء من هذا الذي نقرره انتقاص من قيمة العقل ودوره في الحياة البشرية. . فإن المدى أمامه واسع في تطبيق النصوص على الحالات المتجددة - بعد أن ينضبط هو بمنهج النظر وموازينه المستقاة من دين الله وتعليمه الصحيح - والمدى أمامه أوسع في المعرفة بطبيعة هذا الكون وطاقاته وقواه ومدخراته ; وطبيعة الكائنات فيه والأحياء ; والانتفاع بما سخر الله له من هذا الكون ومن هذه الكائنات والأحياء ; وتنمية الحياة وتطويرها وترقيتها - في حدود منهج الله - لا كما تبتغي الشهوات والأهواء التي تضل العقل وتغطي الفطرة بالركام!.

ونقف من هذه اللفتة: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقفة أخرى:

نقف منها أمام التبعة العظيمة الملقاة على الرسل - صلوات الله عليهم - ومن بعدهم على المؤمنين برسالاتهم - تجاه البشرية كلها. . وهي تبعة ثقيلة بمقدار ما هي عظيمة. .

إن مصائر البشرية كلها في الدنيا وفي الآخرة سواء , منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم. فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر , تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم , ويترتب ثوابهم أو عقابهم. . في الدنيا والآخرة.

إنه أمر هائل عظيم. . ولكنه كذلك. . ومن ثم كان الرسل - صلوات الله عليهم - يحسون بجسامه ما يكلفون. وكان الله - سبحانه - يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم. . وهذا هو الذي يقول الله عنه لنبيه: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلًا) . . ويعلمه كيف يتهيأ له ويستعد: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا. . إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) . . (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) . . وهذا هو الذي يشعر به نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يأمره أن يقول وأن يستشعر حقيقة ما يقول: قل: إني لن يجيرني من الله أحد , ولن أجد من دونه ملتحدا. . إلا بلاغا من الله ورسالاته. . (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا , إلا من ارتضى من رسول , فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. . ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددًا) . .

إنه الأمر الهائل العظيم. . أمر رقاب الناس. . أمر حياتهم ومماتهم. . أمر سعادتهم وشقائهم. . أمر ثوابهم وعقابهم. . أمر هذه البشرية , التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت