الدنيا والآخرة. وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة. وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها , وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ!
فأما رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة , ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل. . وهم لم يبلغوها دعوة باللسان , ولكن بلغوها - مع هذا - قدوة ممثلة في العمل , وجهادا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق. . سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك , وضلالات تزين , أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين. كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. بما أنه المبلغ الأخير. وبما أن رسالته هي خاتمة الرسالات. فلم يكتف بإزالة العوائق باللسان. إنما أزالها كذلك بالسنان (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) . .
وبقي الواجب الثقيل على من بعده. . على المؤمنين برسالته. . فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجيء بعده صلى الله عليه وسلم وتبليغ هذه الأجيال منوط - بعده - بأتباعه. ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة - تبعة إقامة حجة الله على الناس ; وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا - إلا بالتبليغ والأداء. . على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى. . فالرسالة هي الرسالة ; والناس هم الناس. . وهناك ضلالات وأهواء وشبهات وشهوات. . وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة ; وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل وبالقوة. . الموقف هو الموقف ; والعقبات هي العقبات , والناس هم الناس.
ولا بد من بلاغ , ولا بد من أداء. بلاغ بالبيان. وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية واقعة مما يبلغون. وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة ; وتفتن الناس بالباطل وبالقوة. . وإلا فلا بلاغ ولا أداء. .
إنه الأمر المفروض الذي لا حيلة في النكوص عن حمله. . وإلا فهي التبعة الثقيلة. تبعة ضلال البشرية كلها ; وشقوتها في هذه الدنيا , وعدم قيام حجة الله عليها في الآخرة! وحمل التبعة في هذا كله , وعدم النجاة من النار. .
فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعة ? وهي تبعة تقصم الظهر وترعد الفرائص وتهز المفاصل ?!
إن الذي يقول: إنه"مسلم"إما أن يبلغ ويؤدي هكذا. وإلا فلا نجاة له في دنيا ولا في أخرى. . إنه حين يقول: إنه"مسلم"ثم لا يبلغ ولا يؤدي. . كل ألوان البلاغ والأداء هذه , إنما يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه! بدلا من أداء شهادة له , تحقق فيه قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) .
وتبدأ شهادته للإسلام , من أن يكون هو بذاته. ثم ببيته وعائلته. ثم بأسرته وعشيرته , صورة واقعية من الإسلام الذي يدعو إليه. . وتخطو شهادته الخطوة الثانية بقيامه بدعوة الأمة - بعد دعوة البيت والأسرة والعشيرة - إلى تحقيق الإسلام في حياتها كلها. . الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. . وتنتهي شهادته بالجهاد لإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم من أي لون كانت هذه العوائق. . فإذ استشهد في هذا فهو إذن"شهيد"أدى شهادته لدينه , ومضى إلى ربه. . وهذا وحده هو"الشهيد".
وفي نهاية المطاف نقف وقفة خاشعة أمام جلال الله وعظمته ; ممثلة في علمه , وعدله , ورعايته , وفضله , ورحمته وبره. . بهذا الكائن الإنساني الذي يجحد ويطغى. .