فإن المباحث اللفظية في الدراسات الأصولية تشكل المساحة الأوسع فيها؛ لما تضطلع به من أهمية كبرى في تحديد وضبط سبل اقتفاء المعاني من الألفاظ الواردة في الخطاب الشرعي، بحيث تتضح المرادات والمقاصد الشرعية في الأحكام لدى الفقهاء، فيتم اقتفاؤها والسير على نهجها في البعدين التنظري والتطبيقي.
غير أن هذه الألفاظ في دلالتها على المعاني قابلة لورود الاحتمالات (1) ، فاللفظ الواحد قد يدل على عدة معانٍ فيها تغاير بل تنافر ظاهري أحيانًا.
ومن هنا تبرز ضرورة البحث في الاحتمالات، وفي الأسس المعتمدة في حمل دلالة اللفظ على الراجح منها؛ وتزداد الحاجة إلى البحث في الاحتمالات الواردة على دلالة الألفاظ إذا عُلِم أن الخطاب الشرعي لم يجر في مخاطبة العباد بألفاظٍ ينقطع معها طروء الاحتمال في الجملة، مما يجعل البحث في الاحتمالات الواردة على الألفاظ تشكل الأساس المعرفي في دلالة الألفاظ الشرعية على الأحكام هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلم يتناهى إلى علمي وجود أبحاث متكاملة عُنيت برصد هذا الموضوع وبيان أقوال الأصوليين فيه ودراسة مناهجهم تجاهه، لا سيما أن كلام المتقدمين فيه لم يعدُ الإشارة والتلويح في سانح المقام.
ولتحقيق هذا الغرض فقد قسمت هذا البحث إلى مبحثين:
المبحث الأول الاحتمال تعريفه، أنواعه، حكمة وروده على الدلائل الشرعية، وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: تعريف الاحتمال والاستدلال لغة واصطلاحًا.
المطلب الثاني: أنواع الاحتمال.
المطلب الثالث: المقصد الشرعي من ورود الاحتمال على الدلائل الشرعية.
المبحث الثاني: مذاهب الأصوليين في أثر ورود الاحتمال على مسالك الاستدلال.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أثر ورود الاحتمال على الاستدلال بظاهر المقال.
المطلب الثاني: أثر ورود الاحتمال على دلالة المفهوم .
المطلب الثالث: بناء الاستدلال على مجرد الاحتمال.
المطلب الرابع: أثر ورود الاحتمال على رفع دلالة المحكم (النص) .