المبحث الأول
الاحتمال تعريفه، أنواعه، حكمة وروده على الدلائل الشرعية
المطلب الأول: تعريف الاحتمال والاستدلال
أولًا: تعريف الاحتمال:
تعريف الاحتمال لغةً:
الاحتمال مصدره احتمل، ويُطلق ويراد به الارتحال والتحول من موطن إلى آخر، يقال: احتمل القوم أي ارتحلوا (2) ، كما يطلق ويراد به الجواز والإمكان الذهني، يقال: احتمل الأمر أن يكون كذا، أي جاز (3) ، كما يطلق ويراد به الغضب، يقال: غضب فلان حتى احتُمل وأُقِل (4) ، ويطلق ويراد به حمل ما يشق على حامله ويثقله، يقال حمَّلْتُ عليه فاحتمله (5) .
وقد استعمل القرآن الكريم لفظ الاحتمال غير مرة على معنى حمل ما عظُم من المأثم، للدلالة على عظم الجناية وقبحها (6) . قال تعالى:"ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بُهتانًا وإثمًا مبينًا" (النساء 112) . ويطلق ويراد به العفو عن المخطئ والإغضاء عليه، يقال: احتمل ما كان منه، أي أغضى عليه وعفا عنه (7) .
تعريف الاحتمال اصطلاحًا:
على طول بحثي وتنقيبي عن تعريف اصطلاحي للاحتمال لم أحفل بغير ما خطّه الجرجاني في تعريفاته، واعتمده من بعده أصلًا في تعريف الاحتمال.
يقول الجرجاني:"ما لا يكون تصور طرفيه كافيًا بل يتردد الذهن في النسبة بينهما، ويراد به الإمكان الذهني" (8) .
وتابعه على هذا التعريف عدد من المعاصرين ممن عُنُوا بمعاجم فقهية أو فلسفية (9) . والملحوظ في كلام الجرجاني أنه حاول أن يحد الاحتمال بطريقتين (10) :
الأولى: الحد بالرسم، وتكون بتتبع اللوازم العَرَضِّية في ماهية الشيء المحدود؛ وهذا حيث يقول:"ما لا يكون تصور طرفيه كافيًا بل يتردد الذهن في النسبة بينهما".
الثانية: الحد بالفظ، وتكون بذكر لفظة مرادفة للكلمة المراد حدّها وبيان معناها، وهذا حيث يقول"ويراد به الإمكان الذهني".
أما بالنسبة للطريقة الأولى فعليها بعض الملحوظات، أهمها: