ثم مع انحسار العفاف رويدًا رويدًا، بدأت تنحسر دولة الإسلام شيئًا فشيئًا، ومع ذلك ظلت بعض المدن تعرف بالصيانة والعفاف، يقول ابن العربي -رحمه الله- في النصف الأول من القرن السادس:"ولقد دخلت نيِّفا على ألف قرية من بريَّة, فما رأيت نساء أصون عيالًا, ولا أعفَّ نساءً من نساء نابلس التي رُمي فيها الخليل عليه السلام بالنَّار, فإنّي أقمت فيها أشهرًا, فما رأيت امرأة في طريق نهارًا, إلاَّ يوم الجمعة, فإنهنَّ يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهنَّ, فإذا قُضيت الصلاة, وانقلبن إلى منازلهنَّ لم تقع عيني على واحدةٍ منهن إلى الجمعة الأُخرى. وسائر القُرى تُرى نساؤها متبرِّجاتٍ بزينةٍ وعُطْلَة (1) ٍ, متفرِّقاتٍ فِي كلِّ فتنةٍ وعُضْلَةٍ (2) . وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من مُعتكَفِهِنَّ حتى استشهدن فيه" (3) .
ثم استشرت الفتن، وجاءت الأهواء فساقت الناس نحو جحر الغرب المظلم، فبعد أن كان الاختلاط علقمًا يشرق به الخاصة والعامة، بدأت عملية تسويغه، عن طريق المدارس الاستعمارية العالمية (4) ، بدعوى أن علاج (الرجل المريض) يكمن فيها، وذلك مطلع القرن الرابع عشر، فما بلغ أبناء تلك المدارس الخمسين، وما انتصف القرن، إلاّ وقد مات (الرجل) ، بعد أن هيأت تلك المناطق المشبوهة مناخًا جيدًا لتفريخ أجيالٍ من المستغربين، الذين رأوا أن استعادة الأمة مجدها، وعودها إلى سابق عهدها، وخروجها من واقعها المظلم، لن يكون إلاّ بإحراق كل فضيلة، في سبيل (التنوير) .
(1) عُطْلة: جمع عاطلة أي من الحلي، والمعنى أنهن متبرجات بزينة، ومتبرجات قد كشفن محل الحلي أو الزينة.
(2) عُضْلَة: داهية، من العُضَل أي المنكر الداهية، وكأنه وصف بالشدة، فالعين والضاد واللام أصل واحد يدل على شدة والتواء.
(3) أحكام القرآن 1/386.
(4) انظر المدارس العالمية للشيخ بكر ص34.