الصفحة 3 من 84

كَأَّنَ لها في الأرض نَسيًا (1) تقُصُّه…على أَمِّها وإنْ تُكلِّمْكَ تَبْلِتِ

وهذا أبو قيس بن الأسلت -مختلف في صحبته- يمدح إحداهن فيقول:

تشتاقها جاراتها فَيَزُرْنهَا… وتَعتَلُّ عن إتيانهن فَتُعْذَرِ

وليس لها أن تستهين بجارةٍ… ولكنّها مِنهنّ تَحْيَا وتَخفُرِ

ثم جاء الإسلام وتمم مانقص، فسجل التاريخ لنساء الإسلام في العهد الأول، نزاهة ذادت مرؤة رجالها عنها طير الرِيَب، وعلى مِنْوال أولئك السابقين الأولين، كانت عصور التابعين والأئمة المرضيين. ولاتحسبنَّ التمدح بالقرار ونبذِ مخالطة الرجال، كان شيمة العلماء والصالحين فحسب، بل هي صبغة ذلك الجيل، يقول شاعر الغزل جميل -في أوائل القرن الهجري الثاني:

خُودٌ مِنْ الخَفِرَاتِ البِيْضِ لم يرها…بِسُدَّةِ البيتِ لا بَعلٌ ولاجَارُ

وعلى هذا الأسلوب جرى مدح العرب عدة قرون، فهذا الرضي أشعر القرشيين في أوائل القرن الهجري الخامس يشيد بامرأة فلا يجد أجدر من أن يقول:

دون القِبَابِ عَفافٌ مع خلائقِها…والصَونُ يَحفَظُ ما لا تَحفَظِ الخِيَمُ

وقد ظلت نساء المسلمين مصونة في مدن حصينة ضد غزو التغريب، عبر عقود بل قرون ازدهرت فيها حضارة الإسلام، بينما كان يقبع غيرهم في ما يُعرف اليوم برجعية العصور الوسطى، أو عصور الظلام.

(1) النسي على ضربين: أحدهما ما تقادم عهده حتى نسي، والآخر ما أضله أهله، فيطلب ويطمع فيه، وهو المراد هنا، وتقصه: تتبعه، والأََمُ: القصد، وقوله: إن تحدثك تَبْلت: أي تقطع الحديث لاستحيائها. أفاده المبرد في الكامل، وانظر جمهرة اللغة (ب-ت-ل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت