فهرس الكتاب
إن من المستهجن في العقول أن تقول لغواص يجوب أعماق البحار، انزع لباسك الضافي الأسود وإياك إياك أن تبتل بالماء! ومن قبيله ترك المباعدة بين الرجال والنساء وترقب السلامة مع أن"كل فحل يمذي وكل أنثى تقذي".
ألم ير من يناد بهتك الستر بين الرجال والنساء أثر ذلك في الغرب المتحضر؟ هل خفف ذلك من ثورة الشهوات؟ أم أتاح لها متنفسًا فلوثت الأعراض؟
ثم هب أن امرأة درجت على مخالطة الرجال فسلم لها شرفها وحياؤها فلم يهزل، فمن الذي يكفل عدم خدشها من قبل ثعالب وذئاب البشر..
قالت بنو عامرٍ خلوا بني أسدٍ ……يابؤس للجهلِ ضَرَّارًا لأقوام
تعدو الذئابُ على من لاكلابَ له……تتقي صولة المُسْتَثْفِرِ الحَامِي (1)
يذكر أهل السير والأدب أن عمر بن أبي ربيعة بينما كان يطوف بالبيت إذ نظر إلى امرأة فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيامٍ عظيمة الحرمة. فألح عليها يكلمها، حتى خافت أن يشهرها. فلما كان في الليلة الأخرى رفعت الاختلاط المحظور فقالت لأخيها: أخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فأقبلت وهو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثلت المرأة بقول النابغة السالف.
وذكروا أن الخبر بلغ الخليفة المنصور فقال: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا سمعت بهذا الخبر.
وفي الإحصاءات التي تبين ماهو ماثل في أرض الواقع ما يغني عن الأخبار (2) ، نسأل الله الحفظ والسلامة.
(1) الأبيات للنابغة الذبياني، والمستثفر الحامي: أراد به الكلب يدخل ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، متأهبًا للحماية.
(2) تأتي الإشارة إليها في الفصل الثاني بمشيئة الله تعالى.