بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، ورضي الله عن آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد حظيت القراءات القرآنية باهتمام المسلمين منذ نهضتهم الأولى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام إلى يومنا هذا، فلقد تجرد عدد كبير من علماء المسلمين لخدمة هذا الكتاب، وافنوا أعمارهم بتتبع كل صغيرة وكبيرة حول هذا العلم، وسطروا كل ما جادت به عقولهم وأفكارهم في مؤلفات أصبحت مفخرة المسلمين ومضان الدارسين من بعدهم في الدرس والتأليف.
والمتأمل في الدرس اللغوي العربي يجد أن الدرس العربي قد تأثر تأثرًا واضحًا بهذه المؤلفات، إذ لا يكاد يخلو كتابٌ في أصوات العربية وصرفها ونحوها من جملة كبيرة من القراءات وما يتصل بها من مسائل مثلت القواعد والضوابط التي أصلت ورفدت مفردات هذه العلوم التي سطرها علماء المسلمين.
وكان من بين المهتمين بتأريخ القرآن والقراءات طائفة كبيرة من المستشرقين، درسوا تأريخ القرآن والقراءات، وكتبوا في ذلك كتبًا وأبحاثًا كثيرة، كان بعضها يتسم بالجدية والنظرة العلمية، وكثير منها لا يخلو من الطعن والتشكيك في القرآن وقراءاته، وكانت مسألة الاختلاف في القراءات القرآنية من المسائل التي اتخذها عدد من المستشرقين مسوغًا للطعن في القرآن الكريم، وراحوا يصفون القرآن وقراءاته بالتناقض والاضطراب وعدم الثبات، وحاولوا تشكيك المسلمين في ذلك، وكان وراء ذلك كله نفي النبوة والوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنكار أن يكون القرآن بقراءاته من الله صلى الله عليه وسلم.
من أجل هذا كله حاولت أن أبين حقيقة هذا الاختلاف، وموقف علماء المسلمين منه، ومفهومهم له، ومقاصد الاختلاف في القراءات القرآنية، وكيف ساهم الاختلاف في القراءات القرآنية في تعدد المعاني واتساعها.
فجاء هذا البحث ليلقي الضوء على جزء من هذا الموضوع، ويكشف عن شيءٍ من أسرارهِ وذلك من خلال مباحثه الثلاثة:-