الصفحة 13 من 22

ولئن كانت الكتابات السابقة ركزت على الجوانب السلبية في الاستشراق لأنها رأت أن الدراسات الاستشراقية التقليدية التي يرى البعض أنها بدأت بمدرسة اللغات الشرقية الحية التي أسست في باريس عام 1795 وترأسها في البداية المستشرق الفرنسي المشهور سلفستر دي ساسي ولم يعرفوا من الاستشراق أكثر من كتابات جولدزيهر وشاخت ومارجليوث ولامانس وغيرهم من كبار الباحثين الغربيين في الدراسات الإسلامية فإن رد الفعل اتسم في كثير من الأحيان بالحدة والقسوة والعنف. ولعل ذلك حق لهم حيث إن العقيدة والهوية هما أهم ما يملك الإنسان فكيف يرضى أن يسكت على الطعن فيهما. ولذلك قال عدنان الوزان:"وأيقنت أن ما كتب ضد هؤلاء المستشرقين إنما هو حق ، ولا أحد يلومنا إذا عزمنا على مقاومة هؤلاء المستشرقين وأخرجناهم من مكانتهم وأزحنا الأغشية التي يلفونها على وجوههم ومنازلتهم منازلة الند للند في ميدان الجدل العلمي والمناظرة الموضوعية." (1)

ومن خلال دراسة كتابات العرب والمسلمين الذين درسوا في الغرب أو تأثروا بالمناهج الفكرية الغربية فإن الاستشراق وإن كان لا يمكن تصنيفه ضمن المذاهب الفكرية كالماسونية أو الوجودية أو الشيوعية ولكنه اتجاه فكري معين يعتمد على الأسس الفكرية الغربية والمسلمات الغربية. فالغربي الذي مرّ بمرحلة"التنوير"الغربية التي دعت إلى الفصل بين الدين والحياة أو العلمانية بأوسع معانيها، الغرب الذي حارب ما يسمى بالمقدس فأخذوا يناقشون كتبهم المقدسة ويخضعونها للتحليل والنقد، كما أن هذا الغرب الذي ظهرت فيه التيارات الفكرية التي تسمى الحداثة وما بعد الحداثة وانعكست هذه الأفكار والتيارات على الدراسات العربية الإسلامية فإنه أقرب إلى أن يكون اتجاه فكري معاصر يصلح أن يدرس ضمن الاتجاهات الفكرية المعاصرة.

(1) - المرجع نفسه ص 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت